عاجل
وكالة

بين التيار الديمقراطي الاجتماعي وحزب الشاي.. من اللاعب المعارض الأقوى في واشنطن

twitter sharefacebook shareالثلاثاء 23 آذار , 2021171

وقف المحرر الاقتصادي بشبكة "سي إن بي سي"، ريك سنتيلي بعام 2009، في قلب بورصة مدينة شيكاغو هاتفًا: "لا تساعدوا هؤلاء الفشلة في سداد أقساط ديونهم"، معارضًا لقرار الرئيس الأمريكي السابق أوباما، بتخصيص 75 مليار دولار لمساعدة 9 مليون أمريكي تضرروا من أزمة الكساد الاقتصادي التي ضربت الولايات المتحدة والعالم في عام 2008، وأفقدت الملايين منازلهم بسبب عدم قدرتهم على سداد قروض الإسكان.

وحتى لا يحدث خلل في الموازنة الأمريكية بسبب هذا البرنامج؛ فرضت إدارة باراك أوباما حزمة من  الضرائب على المواطنين الأمريكيين أصحاب الأعمال ومتقاضي الأجور العالية، السبب الذي جعل ريك سنتيلي يتجمهر وسط مجموعة من التجار في  قلب مبنى بورصة مدينة شيكاغو الأمريكية.

لم تمر حادثة بورصة شيكاغو مرور الكرام؛ ففي غضون 10 أيام اندلعت العديد من التظاهرات في أكثر من 40 ولاية أمريكية تطالب بوقف برنامج حكومة أوباما، وتقليل الضرائب، وتحرير سوق قطاع الأعمال الخاصة تحريرًا كاملًا من سيطرة الحكومة عليه، ومع تزايد التظاهرات والفعاليات؛ بدأ يحدث تنسيق بين مؤيدي طلبات الحركة الأمريكية الوليدة؛ ومن ثم أُطلق عليها اسم حركة "حزب الشاي" الجديدة.

نبعت تسمية الحركة الجديدة من الحراك الذي نظمه التجار في مدينة بوسطن الأمريكية في القرن الثامن عشر الميلادي ضد الضرائب الجديدة التي فرضتها على شاي شركة الهند الشرقية البريطانية – الذراع الاقتصادية للاستعمار البريطاني – وألقى خلاله التجار الأمريكان 342 صندوقًا (40 ألف كيلو) من الشاي البريطاني في المحيط اعتراضًا على القرار، وكانت هذه الحركة بداية تحرر الولايات المتحدة من الاستعمار البريطاني.

أما عن حركة حزب الشاي الجديدة؛ فكل المطالب التي كانت تطالب بها هي مطالب اقتصادية بحتة؛ بالتأكيد كان هناك تقاطع مع المسائل الاجتماعية مثل معارضة "الإجهاض"، و"زواج المثليين"، ولكن خطاب المؤثرين في حركة حزب الشاي كان خطابًا اقتصاديًّا.

وفي شرح إيديولوجية الحراك الاقتصادية في كتاب "جنون الغليان: داخل حزب الشاي الأمريكي" قالت الكاتبة الأمريكية كيت زرنيك: "قد يكونون محافظين اجتماعيًّا في قضايا مثل الإجهاض أو زواج المثليين، لكنهم يعتقدون أن الحزب الجمهوري توقف عن كونه الحزب الذي يؤيد السياسات الاقتصادية المحافظة عندما أصبح مهووسًا بالمحافظة الاجتماعية".

ولعل خير مثال على "هوس" مؤيدي حركة حزب الشاي الجديدة بالاقتصاد؛ هو تصريح مُشعل حراك حزب الشاي، ريك سنتيلي، مارس (آذار) الماضي، الذي اقترح فيه إصابة كل المواطنين في الولايات المتحدة بفيروس كورونا المستجد من أجل تحقيق "مناعة القطيع" حتى ينحسر الفيروس!

بدأت حركة حزب الشاي عام 2009 في الإعلام، ثم انتقلت إلى الشارع، وكان من الطبيعي أن تنعكس على ميادين السياسة؛ لا سيما وأن أنصار الحركة المحافظة يهاجمون الحزب الجمهوري المحافظ قبل الحزب الديمقراطي، وعلى الرغم من ذلك بدأت شخصيات جمهورية تظهر وسط أنصار حزب الشاي الجديد.

أول من اقترن من السياسيين بحزب الشاي كانت سارة بلين حاكمة ولاية ألاسكا السابقة ورفيقة السيناتور السابق على بطاقة مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة عام 2008 التي فاز بها أوباما، وكان يعدها البعض المتحدثة غير الرسمية للحركة المحافظة.

ولكن لماذا لم تكن المتحدثة الرسمية؟ لأن القائمين على حركة حزب الشاي كانوا يريدون أن تعمل الحركة بشكل لا مركزي في الولايات المتحدة دون وجود هيكل إداري ثابت، أو شخصيات تمثلها؛ حتى لا تصبح حزبًا سياسيًّا يسعى للسلطة ويهجر الشارع الأمريكي كما فعل الحزبان؛ الجمهوري والديمقراطي.

حزب الشاي والنجم الصاعد دونالد ترامب

في انتخابات الكونجرس الأمريكي عام 2010، ظهر تأثير حزب الشاي في اتجاهات المرشحين الجمهوريين؛ فبعضهم أيدها، ولكن رفض تعريفه المنتمي لها، مثل ماركو روبيو، الذي كان يخوض انتخابات مجلس شيوخ ولاية فلوريدا وفاز بها.

على الجانب الآخر كان أبرز المرشحين المفتخرين بالانتماء لحركة حزب الشاي، تيد كروز، الذي تفوق وحصد مقعد انتخابات شيوخ ولاية تكساس في الانتخابات الخاصة عام 2012، وكلاهما ترشح لانتخابات الرئاسة عام 2016 على بطاقة الحزب الجمهوري، التي فاز بها دونالد ترامب.

خلال انتخابات عام 2016 وحتى انتخابات عام 2020، اتسم أداء ماركو روبيو بالمعتدل؛ فعلى سبيل المثال يرى روبيو أن منع المسلمين من دخول أمريكا ضمن سياسات إصلاح عمليات الهجرة، لكنه نُفِّذ تنفيذًا "فقيرًا" على حد قوله، أما عن ادعاءات ترامب بتزوير انتخابات 2020؛ فمن رأيه أن الانتخابات جرت بنزاهة؛ لكن ترامب من حقه الطعن في النتيجة!

لكنه على الأقل لم يفعل مثل تيد كروز، الذي كان يقف قبل اقتحام الكونجرس بلحظات في قاعة مجلس الشيوخ يدافع باستماتة عن ادعاء تزوير الانتخابات في خطاب وصفته بعض الصحف بـ"خطاب العار"، وذلك قبل أن يعود أدراجه مرة أخرى ويتهم دونالد ترامب بالتحريض على العنف واقتحام الكونجرس.

منذ ظهوره على الساحة السياسية مرشحًا، يعد تيد كروز نجم حزب الشاي الأول، والسياسي المحافظ الوحيد المنتمي للحركة الذي تمكن من الذهاب بعيدًا في مناصب الحكومة الأمريكية وتمكن من حصد مقعد من أصعب المقاعد الانتخابية في مقاعد شيوخ الولايات المتحدة.

وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 2012 كان كروز على موعد من قيادة أول معركة لأنصار حزب الشاي في مجلس الشيوخ، فكما ذكرنا، كان أحد أهم مطالب حركة حزب الشاي هو تقليص نفوذ الحكومة الأمريكية، والقضاء على ما يعرف بـ"الحكومة الكبيرة".

وعندما كان مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه أغلبية ديمقراطية يناقش مشروع قانون يسمح بتوسيع أنشطة الحكومة وزيادة الميزانية، فعَّل تيد كروز قانون "فلوباستر" الذي يسمح لعضو مجلس الشيوخ بالوقوف في أرضية المجلس ومجادلة القانون لأطول فترة ممكنة، والتي غالبًا ما تمتد إلى الموعد النهائي للتصويت؛ حتى يذهب الطرفان للتصويت على القرار دون وجود وقت للمناقشة والمناظرة بين المؤيدين والمعارضين.

سيطر تيد كروز على أرضية المجلس وظل يتحدث لمدة 21 ساعة متواصلة في موضوعات مختلفة؛ لك أن تتخيل أنه كان من بينها قراءة كتاب "لحم الخنزير والبيض الأخضر" الذي كان يقرأه لأطفاله، وقراءة الكتاب جاءت ضمن جزئية خطابه التي يعادي فيها النظام الصحي الذي أقره أوباما المعروف باسم "أوباما كير".

وكانت النتيجة أن مجلس الشيوخ قرر إيقاف عمل الحكومة الأمريكية لمدة 16 يومًا، وهو القرار الذي لم يجنِ منه حزب الشاي ولا الحزب الديمقراطي، ولا حتى الجمهوري أي مكاسب.

لم ينجح روبيو ولا كروز في تحقيق مطالب حركة حزب الشاي، حتى إن بعضًا من أنصار حركة حزب الشاي كانوا ينظرون إليهما على أنهما أصبحا جزءًا من النظام السياسي الذي هجر مطالب الشعب الأمريكي المحافظ؛ وعندما بزغ نجم دونالد ترامب في الساحة السياسية تغير كل شيء.

برز دونالد ترامب بوصفه الوجه الأفضل لقيادة حركة مطالب حزب الشاي؛ ولمَ لا وهو يرى أن المكسيك لا تمنحهم مهاجرين صالحين، بل مغتصبين وسارقين وتجار مخدرات، وبالنسبة للمسلمين يجب منعهم حتى يتوقف الإرهاب – من وجهة نظره – علاوة على كونه مُعارضًا لكل شيء حدث في فترة رئاسة أوباما لا تروق لمريدي حزب الشاي مثل: زواج المثليين، والحديث عن تقنين الإجهاض رسميًّا على مستوى الولايات كاملة، بالإضافة إلى الضرائب العالية على أصحاب الأعمال ومن يتقاضون رواتب عالية، وبكل تأكيد نظام الصحة الشامل "أوباما كير".

لكن أهم عامل جعل ترامب يحصد أصوات أتباع حركة حزب الشاي؛ هو تقديمه لنفسه على أنه المرشح الذي لا يمتلك مسيرة سياسية فاسدة مثل كل سياسيي واشنطن، بما يشمل أعضاء الحزب الجمهوري ومرشحيه الذين كانوا من وجوه حركة حزب الشاي البارزين، وعلى رأسهم تيد كروز وماركو روبيو.

بعد انتهاء فترة ترامب الرئاسية بشكل مربك للمعادلة السياسية الأمريكية، يمكن القول بأن مطالب حركة حزب الشاي لم يتحقق منها أي شيء.

بعد خسارة ترامب وتحريضه على العنف لإحداث اضطراب سياسي وأمني في الشارع الأمريكي كي يغير نتيجة الانتخابات، بالإضافة إلى غضب الديمقراطيين والجمهوريين من تيد كروز لتكاتفه مع ترامب وإلقائه خطابًا مشينًا – بحسب وصف بعض الإعلاميين والسياسيين الأمريكيين – قبل اقتحام الكونجرس بلحظات، فضلًا عن إمكانية استغلال الديمقراطيين لسيطرتهم على البيت الأبيض والكونجرس في فرض سياستهم وقوانينهم التي لا تروق لأتباع حركة حزب الشاي، يمكن القول بأن مسيرة حركة حزب الشاي، قد بلغت طور الموت الإكلينيكي.

ونظرًا إلى خسارة دونالد ترامب الانتخابات، وتزعزع موقف تيد كروز السياسي؛ من الممكن القول بأن حركة حزب الشاي المُحافظة فشلت. أما إذا ابتعدنا عن التيار المُحافظ ونظرنا إلى الناحية الأخرى من الرواق السياسي؛ فسنرى تيارًا ديمقراطيًّا يسعى إلى تحقيق أهداف تخدم الطبقة التي همشتها واشنطن لعقود.

هذا الاعتقاد الذي كان يؤمن به رموز حزب الشاي منذ أكثر من 10 سنوات؛ عندما كان مُجرد حركة سياسية وليدة؛ قبل أن تصبح تيارًا سياسيًّا له أهداف وانحيازات وإطار وممثلون أقوياء أصبح أحدهم رئسيًا للدولة. وبسبب لهجة المُعاداة التي تميز بها التيار اليميني خلال فترة دونالد ترامب، يصبح من المستحيل أن يرحل هؤلاء ويصطفون خلف التيار الديمقراطي الاجتماعي، وعلى الأرجح أن حزب الشاي في نسخته الأولى، قد انتهى، وتحول إلى تيار سياسي أكثر تطرفًا يمثله دونالد ترامب.

أما التيار الديمقراطي الاجتماعي المُتوقع له الصعود نفسه والتطور الذي حدث مع حركة حزب الشاي، فهو ليس اتجاهًا سياسيًّا وليدًا في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن اكتسب نوعًا من التنظيم عندما ترشح ممثله بيرني ساندرز وناطح هيلاري كلينتون على بطاقة الحزب الديمقراطي في انتخابات 2016، وحاول مرة أخرى في عام 2020 قبل أن يخسر بطاقة الترشح لصالح جو بايدن، وصحيح أن بيرني ساندرز خسر انتخابات الحزب مرتين، إلا أنه أصبح بعد 2016 الرمز الأكبر للتيار الديمقراطي الاجتماعي الأمريكي الجديد.

يصف أنصار حزب الشاي والحزب الجمهوري وبعض ساسة الحزب الديمقراطي، تيار بيرني ساندرز بـ"التيار الراديكالي المتطرف" لأنه يذهب بعيدًا بالمطالب؛ فهو مثلًا لا يريد برنامج "أوباما كير" الذي يوفر الرعاية الصحية للمواطن الأمريكي غير المقتدر مقابل دفع تكاليف أقل؛ بل يدعو إلى وجود نظام تأمين صحي مجاني للمواطنين كافة!

في السياق نفسه، نجد أن الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما، قد أنشأ كليات وجامعات مجتمعية مجانية، وخفف نظام القروض الدراسية ليصبح أكثر مرونة، لكن بيرني ساندرز يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، ويطالب بإلغاء الديون الطلابية كافة، وتعميم مجانية التعليم في الجامعات الحكومية الأمريكية كافة!

جدير بالذكر، أنه بعد انتخابات عام 2016، دعم بيرني ساندرز العديد من المرشحين الشباب على قائمة الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي عام 2018؛ وبالفعل نجح منهم أربعة، هم النائبة الفلسطينية الأمريكية رشيدة طالب، والنائبة الصومالية الأمريكية إلهان عُمر، والنائبة إلكسندرا أوكازيو كورتيز، والنائبة أيانا بريسلي، وفي انتخابات 2020 انضم لهم عضوان جديدان هم جمال بومان، وكوري بوش.

وفي مجلس الشيوخ لم يحارب بيرني ساندرز وحده من أجل مطالب التيار الديمقراطي الاجتماعي، بل اصطفت إلى جانبه عضوة الشيوخ إليزابيث وارن، التي تتفق مع ساندرز في سياسات التعليم والصحة والحد الأدنى للأجور، والتي خاضت انتخابات 2020 أيضًا لكنها لم تنجح.

وانتخابات جورجيا التي قلبت موازين السياسة الأمريكية هذا العام، نجح جون أوسف، في إقصاء الشيخ الجمهوري ديفيد بيردو، وفي تصريحات سابقة أيد بيرني ساندرز في الكثير من القضايا وعلى رأسها الحد الأدنى للأجور، وضرورة وجود نظام صحي يوفر الرعاية الشاملة للمواطن الأمريكي، فهل يمكن أن يصبح التيار الديمقراطي الاجتماعي "حزب الشاي" الأمريكي الجديد؟

المصدر: ساسة بوست

اشترك في قناة وكالة النبأ على التلجرام لمتابعة آخر الأخبار
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات