عاجل
وكالة

موازنة 2021.. مقدمة لعام آخر من العذاب

twitter sharefacebook shareالخميس 24 كانون الأول , 2020101

أعلنت الحكومة، والبنك المركزي، بشكل مباغت، واحدًا من أصعب القرارات الاقتصادية، ألا وهو خفض قيمة الدينار، ليصبح الدولار الأمريكي الواحد يساوي 1450 دينارًا عراقيًّا، بعد أن كان 1182 دينارًا لكل دولار أمريكي، ويعد هذا هو التخفيض الأول لقيمة العملة منذ ما يقرب من نصف عقد.

ونزل مئات العراقيين بعد القرار، إلى ساحة التحرير وسط بغداد، للاحتجاج، معلنين غضبهم من قرارات الحكومة التي من شأنها أن تزيد من معاناتهم الاقتصادية القائمة بالفعل.

موازنة جديدة لعام آخر من العذاب!

وافق مجلس الوزراء يوم الاثنين الماضي، على مشروع موازنة عام 2021، بقيمة 120 تريليون دينار عراقي، أي ما يعادل 103 مليارات دولار أمريكي. جاء مشروع الموازنة للعام الجديد المقبل، وسط أزمة اقتصادية طاحنة تمر بها البلاد، من جراء تفشي جائحة فيروس كورونا، وانخفاض أسعار النفط.

وقال مسئول حكومي، مفضلًا عدم الكشف عن هويته: "نعلم أنها موازنة صعبة، وأنها ستزيد من معاناة الناس، لكن لا بديل عن هذه الإجراءات، تعتمد الحكومة العراقية على النفط لتمويل أكثر من 93% من ميزانيتها، وبعد الأزمة الأخيرة، وانخفاض أسعار النفط، أصبح لدينا عجز بنسبة 12%، لذلك لا مفر من بعض القرارات الموجعة".

وكان قرار خفض قيمة العملة أمام الدولار الأمريكي، هو أحد أكثر القرارات الموجعة التي تحدث عنها المسئول في الحكومة، فهذا القرار يعني خفض القدرة الشرائية للمواطنين المتضررة بالفعل منذ عام 2019، كما أنه يترك موظفي الدولة أمام رواتب لا قيمة لها.

يقول الخبير الاقتصادي العراقي، ماجد الربيعي: "اتخذت حكومة عبد المهدي بعد المظاهرات ما يقرب من 30 قرارًا اقتصاديًّا، يمكن وصفهم جميعًا بالقرارات الكارثية، فقد قدمت الحكومة حزمة إصلاح اقتصادي بحوالي 6 مليارات دولار، وزعت عددًا من الوظائف على الشباب الغاضب لقلة فرص العمل، بدون أي تخطيط، منحت الأراضي والمشروعات بشكل عشوائي، مما مهد لما نمر به الآن".

كانت حكومة عادل عبد المهدي، والتي اتهمها المحتجون بأنها لم توفر فرص العمل للشباب، أو تساعد في وضع حد للبطالة، تهدف من وراء هذه الأمور إلى كسب ثقة المتظاهرين، ولسان حالها يقول: "انظروا، لقد وفرت لكم فرص العمل، عودوا إلى منازلكم الآن".

يقول الخبير الاقتصاد ماجد الربيعي: "جاء فيروس كورونا ليطيح ما تبقى من صبر العراقيين، فبسبب إجراءات الإغلاق، تعرضت الكثير من المشروعات الصغيرة والمتوسطة للانهيار، كما انهار قطاع السياحة الدينية بالكامل".

بعد أن تفشى فيروس كورونا في الجمهورية الإسلامية، منعت الحكومة العراقية دخول الزائرين الإيرانيين إلى العراق، لزيارة الأماكن الدينية والأضرحة، والنتيجة كانت مئات من الفنادق في مدينتي النجف وكربلاء خاوية.

يروي أبو غنيم، الذي يمتلك فندقًا في مدينة النجف وآخر في كربلاء، الأزمة الاقتصادية التي مر بها، فيقول: "الفندق الذي أمتلكه في النجف يحتوي على 50 غرفة، وفندق كربلاء يحوي 110 غرف، ولم يأت زائر واحد فقط حتى من داخل العراق، لأي من الفندقين، جميع الفنادق في النجف وكربلاء أُغلقت بالكامل، ولم تقدم لنا الحكومة أي مساعدة". وما سرى على الفنادق، يسري أيضًا على المطاعم والمقاهي ليس فقط في النجف وكربلاء، بل في أغلب المدن العراقية.

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد تبع تفشي فيروس كورونا في العالم، انخفاضًا حادًّا لأسعار النفط، ما يمثل كارثة بالنسبة للاقتصاد العراقي على وجه التحديد، ففي شهر مارس (آذار) من العام الجاري، صرح مظهر محمد صالح مستشار الشئون الاقتصادية للحكومة العراقية، بأن العراق "فقد نصف عائداته المالية مع انخفاض أسعار النفط إلى 30 دولارًا للبرميل".

جدير بالذكر أن الاقتصاد العراقي، اقتصاد ريعي، يعتمد على النفط موردًا أساسيًّا لميزانيته، كما تذهب أغلب عائدات النفط لدفع رواتب موظفي الدولة، الذين يقدر عددهم بحوالي 7 ملايين موظف؛ مما يضع العراقيين أمام تهديد كبير.

ولكن، وبحسب الخبير الاقتصادي، ماجد الربيعي، لم تكن هناك أي محاولات جادة لاحتواء هذه الأزمة، "أين هذه القرارات التي تحدث عنها السيد عبد المهدي؟ لا أثر لها، كانت حكومة فاشلة بامتياز".

أزمة الرواتب والحلول المؤقتة "العبثية"

كانت النتيجة الطبيعية التي توقعها الخبراء الاقتصاديون العراقيون، لانخفاض أسعار النفط، هي أزمة الرواتب، وعجز الحكومة العراقية عن دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين؛ إذ تدفع الحكومة العراقية حوالي 5 مليارات دولار شهريًّا رواتب لموظفي الدولة، ومع انخفاض أسعار النفط، وانخفاض عائدات العراق النفطية إلى النصف، وقفت الدولة عاجزة عن دفع الرواتب للموظفين لمدة شهرين، فلم يتلق أي موظف أو متقاعد راتبه خلال شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) 2020.

يقول مسؤول في الحكومة الحالية، والذي وافق على الحديث شريطة عدم ذكر اسمه، "نفقات الدولة، والرواتب تكلف الحكومة شهريًّا حوالي 6 مليارات دولار، ولا تستطيع الحكومة الحالية توفير هذا المبلغ في الوقت الحالي".

لمواجهة هذه الأزمة، اضطرت الحكومة والبرلمان العراقي إلى إقرار قانون العجز التمويلي، الذي يهدف إلى اقتراض الدولة حوالي 12 تريليون دينار، أي ما يعادل 10 مليارات دولار من بنوك أجنبية ومحلية.

وصف الربيعي هذا القانون بأنه حل عبثي يزيد من سوء الأمور، فيقول: "كان حلًّا لا بد منه، لكنه مؤقت وعبثي، وغير كافٍ لحل الأزمة الطاحنة، لكن في الوقت نفسه، يريد الموظفون رواتبهم".

الموازنة الجديدة والمزيد من الضرائب

بالعودة إلى الموازنة الجديدة للبلاد، والقرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة في الأيام القليلة الماضية، فبجانب قرار خفض قيمة العملة، تحتوي مسودة موازنة عام 2021 على قرار بفرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 12%.

ففي 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، طالبت اللجنة المالية في البرلمان، الحكومة بتطبيق ضريبة قيمة مضافة بنسبة 12%، ابتداء من عام 2021، وهو ما حدث بالفعل وأُضيف لمسودة الموازنة الجديدة.

يقول المسؤول الحكومي: "لا تفرض الحكومة العراقية الكثير من الضرائب، والكثير من الشركات الكبري تتهرب من دفع الضرائب بمساعدة الفاسدين داخل جميع الحكومات، فتشكل الضرائب حوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي".

وبحسب المسؤول الحكومي، فإن البرلمان والحكومة، قد اتخذوا قرارًا بشأن ضريبة القيمة المضافة، وإدراجها في موازنة العام المقبل، من أجل العمل على تطوير الخدمات العامة في العراق.

وبحسب ما أصدرته اللجنة المالية في البرلمان، فإن العام المقبل سيشهد فرض العديد من الضرائب، ستكون هناك ضريبة على السيارات والعقارات، فرض الضرائب على جميع العاملين بالدولة، ورفع ضريبة الدخل على العاملين في الشركات الكبرى.

الحديث عن ضريبة القيمة المضافة، والعديد من الضرائب الأخرى التي تفرضها الحكومة في المستقبل القريب، أثار غضب قطاعات واسعة من الشعب العراقي، الذي يعاني من انخفاض قدرته الشرائية بالفعل، ولا يعلم كيف يتعايش مع قرار خفض قيمة العملة.

ينتظر العراق المزيد من القرارات الاقتصادية الصعبة، التي ستؤثر بشكل كبير في حياة العراقيين، مع غياب أي حلول قريبة في الأفق، ومع استمرار تفشي فيروس كورونا، وانخفاض أسعار النفط، وعدم اتخاذ أي خطوات جادة لمحاربة الفساد، والانتخابات البرلمانية المقبلة، التي بدأت النخبة السياسية في القتال من أجلها، يقف العراقيون على أعتاب عام آخر من المعاناة.

المصدر: ساسة بوست

اشترك في قناة وكالة النبأ على التلجرام لمتابعة آخر الأخبار
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات