وكالة

جامع النوري.. مهمة الاعمار المعقدة تصطدم بتدمير داعش للتفاصيل

twitter sharefacebook shareالخميس 03 كانون الأول , 2020103

تحاول منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) إعادة بناء جامع النوري الشهير وسط مدينة الموصل بعد إن دمره عناصر تنظيم داعش الارهابي، لكن هذا يتطلب إيجاد حلول لمشاكل معمارية وفنية معقدة، إلى جانب تحديات خطيرة تهدد حياة العاملين على تنفيذ العملية.

وظل جامع النوري عبارة عن أنقاض وركام حتى ديسمبر/كانون الأول من عام 2019، عندما أُطلقت حملة لإعادة بناء مجمّع جامع النوري ومئذنته الحدباء، في مشروع بقيمة 50.44 مليون دولار ضمن مبادرة أشمل باسم "إحياء روح الموصل" أطلقتها اليونسكو في فبراير/شباط عام 2018 بالتعاون مع الحكومة العراقية بهدف استعادة النسيج الحضري والاجتماعي والثقافي للمدينة القديمة، حيث تقف الكنائس الأثرية إلى جانب المساجد والمدارس القديمة والأبنية العثمانية والخانات.

أما جامع النوري الكبير فكان بمثابة القلب الروحي للمدينة القديمة، ويحتل مجمع الجامع مساحة تبلغ تقريباً 11,050 متراً مربعاً، وهو يضم إلى جانب المسجد المخصص للصلاة عدداً من الأبنية من بينها المدرسة النورية.

ويتميز هذا المسجد بمنارته الحدباء المزينة بزخارف من الطوب الأحمر، وهي مطلة على كافة أرجاء المدينة. وكانت المنارة عند بنائها مستقيمة، إلا أنها مع مرور الزمن، اتخذت ميلاناً طبيعياً نحو الشرق ما أكسبها اسم الحدباء، وهي الجزء الوحيد الذي كان باقياً من البناء الأصلي للجامع، الذي أعيد بناؤه عدة مرات خلال تاريخه الطويل.

ولم تكتف المنارة بمنح اسمها للموصل، التي صارت تعرف أيضاً بالحدباء، بل وطبعت صورتها أيضاً على العملة الورقية العراقية من فئة 10,000 دينار إلى جانب صورة الحسن بن الهيثم، عالم الرياضيات الشهير الذي ولد في البصرة في القرن الحادي عشر الميلادي.

ويعد باولو فونتاني، الذي تولى منصب ممثل منظمة اليونسكو في العراق عام 2019، أحد الذين يقودون مبادرة "إحياء روح الموصل". يقول فونتاني: "أذكر حين طُلب مني تولي هذا المنصب، كيف فكرت حينها كم سأكون ممتناً لو جاء أحدهم وعرض عليّ مساعدته في إعادة بناء مسقط رأسي. كل تلك المعالم الأثرية والأماكن التي وسمت وجودي، وصنعت ما أنا عليه اليوم. كوّنت هويتي".

لكن ترميم جامع النوري الكبير، ومعه جزء من هوية الموصل، يشكل تحديات أكبر بكثير مما تحمله أي عملية ترميم عادية. إذ يتعين على فونتاني وفريقه التعامل مع مبنى يبلغ عمره نحو 850 عاماً، وعلاوة على ذلك وسط منطقة شهدت معارك واشتباكات عنيفة.

ولكي يصبح البدء في إعادة الإعمار ممكناً، من الضروري أولاً تقييم الأضرار. في العادة، يفحص خبراء الترميم المبنى، ويحددون ما يتوجب إصلاحه، لكن في حالة الجامع النوري برزت مشكلة كبيرة: كان الدخول إلى الموقع شديد الخطورة على حياة أي شخص. لذلك نفذت طائرات من دون طيار المهمة بدلا من البشر.

وتوضح ماريا ريتا أشتوزو، كبيرة موظفي اليونسكو في مشروع ترميم جامع النوري، أن الطائرات من دون طيار أجرت مسحا دقيقا للأسطح الأفقية مثل أسطح المباني، وتلك العمودية مثل المئذنة. كما التقطت عدة صور مع تحديد مرجعيتها الجغرافية، ثم جرى تجميعها معاً لتكوين نموذج ثلاثي الأبعاد.

وقد سمح ذلك بالقيام بما يشبه التحليق فوق موقع حطام المجمع لرسم خريطة مفصلة لكافة الأسقف المهدمة، وتصوير المئذنة التي يبلغ ارتفاعها 45 متراً بدقة عالية وبكل سهولة.

بعد ذلك جاءت مرحلة تنظيف موقع الجامع المهدم، أي التعامل معه كما يجري التعامل مع حقل ألغام. فبين الركام كان هناك الكثير من الألغام الكبيرة المزروعة والعبوات الناسفة غير المنفجرة. تقول أشتوزو: "نحو 300 أو 400 من العبوات التي تحتوي مادة تي إن تي كانت مدفونة هناك، بل عثرنا على عبوات ناسفة مخبأة في الجدران".

وجرى تأمين الموقع بإشراف السلطات العراقية، التي قامت بتفكيك كل من العبوات الناسفة على حدة، الأمر الذي شكل التحدي الأكبر برأي أشتوزو، التي تقول: "إن عملية إعادة بناء المعالم التاريخية، تنطوي دائماً على تحد كبير، أما إزالة الألغام فقد شكلت مخاطر إضافية غير مسبوقة".

وبالتعاون مع وزارة الثقافة العراقية ومجلس الدولة للآثار والتراث، تمكن فريق مكون من ثمانية علماء آثار من أن ينتشلوا من بين الأنقاض أعمالا فنية وقطعا من المبنى نجت بأعجوبة من الانفجار. وبالمجمل أنقذ من بين ركام المسجد ومنارته 44,000 قطعة قرميد و1.100 قطعة من الرخام المكسر، وجرى فهرستها جميعهاً، وسوف تزين المسجد من جديد عند انتهاء عملية إعادة بنائه.

واحتاج التوصل لاتخاذ قرار بخصوص المئذنة إلى وقت طويل من النقاش، وكان السؤال هل سيعاد بناؤها كما كانت عند تشييدها قبل 850 عاماً، أم بالميلان الذي كانت عليه عند تدميرها والذي أكسبها اسم الحدباء. وكان القرار أن تحافظ المنارة على انحنائها، إلأ أن مهمة إعادة بناء قاعدة المنارة فعلياً أصعب بكثير من اتخاذ قرار بشأن شكلها وزاوية ميلها.

شكلت المنارة المصدر الأكبر للقلق في عملية إعادة البناء، لأنها العنصر الأضعف في المبنى بأكمله. وعندما هدم المسجد تسبب الانفجار بانهيار جزئي في القاعدة العلوية للجانب الشرقي من المنارة، ما تسبب في دوران الهيكل حول محوره بشكل كبير عند سقوطه.

وتمثلت نقطة البداية في عملية إنقاذ هذا المعلم في تقييم الوضع الحالي لما تبقى من المبنى ومدى ثباته، وتحديد ما الذي يمكن الحفاظ عليه، وما الذي فقد منه.

وتبدأ عملية التقييم بالحصول على عينات من المواد التي استخدمت في البناء وفحصها بالمنظار، ويتم ذلك بحفر ثقوب صغيرة، وفحصها بكاميرات خاصة.

وتسمح هذه التقنية بالحصول على معلومات دقيقة تشمل التركيب الكيميائي والفيزيائي للمواد الأصلية المستخدمة في البناء ونوعية الملاط الذي استخدم لتدعيم قطع الطوب، وكذلك خطوات سيرعمليات البناء، سواء التي اتبعت عند تشييد المسجد لأول مرة في القرن الثاني عشر، أو خلال عمليات الترميم والتجديد التي خضع لها لاحقاً خلال عمره الطويل، وهذا، كما تقول أشتوزو، سيسمح لهم بإعادة بناء المسجد أقرب ما يكون إلى شكله الأصلي.

وكانت هذه العملية طويلة وشاقة، كما أدى تفشي فيروس كورونا إلى تأخير العمل خلال معظم عام 2020، ولن تكتمل إعادة البناء إلا عام 2023.

ومع ذلك، فإن إعادة بناء مدينة الموصل نفسها عملية هائلة، ولن تنتهي عند حدود ما تقوم به اليونسكو. ففي المدينة القديمة وحدها يوجد أكثر من 5000 مبنى متضرر، في حين أن إصلاح ما تضرر في كامل المدينة وفقاً لتقديرات الحكومة العراقية العائدة إلى عام 2018، يحتاج إلى مساعدات بقيمة ملياري دولارعلى الأقل لتتمكن المدينة من التعافي.

ولا تزال الموصل تعاني من نقص الكهرباء ومشاكل في شبكة الإنترنت والتموين والبنى التحتية.

ويقول المطران نجيب ميخائيل، رئيس أساقفة الكلدان في الموصل: "عادت عائلات كثيرة إلى الموصل لتجد منازلها ومساجدها وكنائسها ومكتباتها ومتاحفها كلها مدمرة. ولهذا نعمل يداً بيد، وكتفاً بكتف لتنظيف الموصل وإعادة بنائها. ليس فقط إعادة بناء الحجر، ولكن الروح أيضاً".

وكان المطران نجيب قد أنقذ كنوزاً ثقافية كانت على وشك الوقوع في أيدي تنظيم داعش الوهابي، كما أشرف على ترميم كنيسته، كنيسة مار بولس الواقعة في الجانب الشرقي من الموصل حيث لا تزال الأضرار الناجمة عن الحرب واضحة.

وسيكون الطريق شاقا وطويلا لا ريب، لكن تعافي الموصل لن يتحقق بإعادة بنائها مادياً بواسطة القرميد والحجارة والملاط فقط، وإنما باستعادة روحها، وإحياء الحياة الثقافية الغنية التي طالما ميزتها، بعودة الموسيقى والفنون والتعليم والأدب، والتي كانت بمثابة الأساس الذي بنيت عليه المدينة في البداية، وستكون الأساس الذي يرسم مستقبلها.

ويقول المطران نجيب: "لقد اكتشفوا فن الكتابة والقراءة هنا، هذه هي حياتنا. هنا أصل البشرية، وهذه ثقافتنا".

اشترك في قناة وكالة النبأ على التلجرام لمتابعة آخر الأخبار
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات