شبكة النبأ المعلوماتية

عبدالله.. بائع العسل الذي اشترى حياة 399 مختطفة ايزيدية

twitter sharefacebook shareالأربعاء 14 تشرين الاول , 202064

لم يكُن في خُلد عبدالله شريم أن يتحول من تجارته بالعسل الى مهمة صعبة تتمثل بإنقاذ الفتيات الأيزيديات اللواتي اختطفهن عناصر تنظيم داعش الإرهابي بعد نكسة الموصل في 2014.

ظهر عبدالله شريم (55 سنة) كمنقذ للنساء والفتيات القابعات في ظلمة سجون داعش بانتظار الحرية، اذ أنجز الكثير منذ أن بدأ مهمته، حيث تمكن لحد الآن من تحرير 399 امرأة وفتاة من قبضة التنظيم الوهابي، فيما يعرفه ذوو المخطوفين الايزيديين خير المعرفة.

والمكون الايزيدي تعرض في آب 2014 الى حملات إبادة، بين الخطف والتهجير على يد ارهابيي تنظيم داعش، وكان عبدالله أحد ضحايا تلك الكارثة، حيث أعدم التنظيم أربعة من اشقائه رمياً بالرصاص واختطفن ستاً من شقيقاته.

وخلال اجتياحه قضاء سنجار، اختطف ارهابيو داعش ستة آلاف و 417 ايزيدي، أغلبهم نساء وأطفال، ونجا لحد الآن ثلاثة آلاف و530 منهم– أكثر من ألف امرأة وقرابة ألفي طفل من الجنسين.

وكان لعبدالله دور بارز في مهمات الانقاذ، ووظّف كل امكانياته لتحرير المختطفين، ومن هناك برز أسمه.

وعبدالله عباس ايزيدي من أهالي قرية شريم في سنجار، بسب الفقر فشل في اكمال دراسته ودرس لغاية الصف السادس الابتدائي.

يقول عبدالله أن "جميع اخوتي كانوا جنود في الجيش العراقي، لذا اضطررت لترك الدراسة و تأمين لقمة العيش لعائلتي"، ويضيف "كنت في الثانية عشرة من عمري حين بدأت العمل في الزراعة وتربية المواشي".

وتزوج عبدالله في عام 1991 وله ولدان وبنتان، وخلال الفترة بين عامي 2005 و 2012 زاول عبدالله مهنة تجارة العسل بين حدود قضاء سنجار وسوريا، وهو ما أتاح له فرصة توثيق علاقات جيدة مع التجار وأهالي المناطق الحدودية، بعد ذلك قام بتوظيف هذه العلاقات في مهمة انقاذ وتحرير المختطَفين.

يقول عبدالله "بسبب تجارة العسل عشت في سوريا لعامين، تعرفت على الكثير من الناس في تلك الفترة، من ضمنهم التجار، كما أصبحت ملماً بجغرافيا المنطقة".

وبعد هجوم داعش على سنجار– الموطن التاريخي للايزيديين–  إنقسمت أسرة عبدالله على رأيين، أشقئه الأربعة وشقيقاته وأعمامه قرروا الذهاب الى سوريا والعودة من هناك باتجاه محافظة دهوك في اقليم كوردستان العراق، لكن عبدالله لم يحبّذ تلك الفكرة وقال بأنه ليس آمناً ولن تكون حياتهم في مأمن.

وقرر عبدالله التوجه مع زوجته وأطفاله ووالدته الى جبل سنجار ومن هناك وصلوا الى مخيم للنازحين في دهوك، لكن أشقاءه وشقيقاته واقاربه وقعوا في قبضة داعش في طريقهم نحو سوريا.

الخطوة الأولى

أعدم داعش أشقاء عبدالله الأربعة رمياً بالرصاص في سوريا، كما اختطف شقيقاته، ما حدث سبب ألماً واحباطاً كبيرَين لعبدالله، أسوةً بآلاف العوائل الايزيدية الأخرى. وقرر هذا الايزيدي المجتهد توظيف امكانياته وعلاقاته لإنقاذ من لا زالوا أحياء في سجون داعش عِوَض الجلوس.

وكانت خطوته الأولى العمل على تحرير ابنة أحد اشقائه التي تدعى مروة وعمرها 22 سنة.

يوضح عبدالله "في أحد الأيام تلقيت اتصالاً، انها مروة وهي تتكلم باللغة العربية"، وتابع عبدالله "مروة كانت تشعر بيأس كبير وقد حاولت أن تنتحر، أحد مسلحي داعش زوَّجها لنفسه كرهاً، سألها ماذا تريدين فأجابته قائلةً: عمَي لا زال على قيد الحياة وأريد أن أتحدث اليه".

مروة كانت قد حفظت رقم هاتف عمها عبدالله، اتفقت مع المسلح على أن تتكلم في حضوره وباللغة العربية لكي يفهم ما يدور بينهما.

وأثناء المكالمة استخدم عبدالله كلمة كوردية واحدة بمعنى "اقفزي"، واشار عبدالله الى أنه "بعد عدة ايام لجأت مروة لعائلة سورية واتصلت بي من هناك مرة اخرى، ثم بدأت السعي لإنقاذها".

واستخدم عبدالله كل علاقاته مع التجار، جيرانه السابقين في سوريا وزبائنه هناك.

يقول عبدالله "أحد أصدقائي التجار أخبرني بأن الوحيدين الذين بإمكانهم مساعدتي هم تجار السجائر، عرفوني على أحدهم وقلت: اذا كنت تربح 500 دولار من كل شحنة سجائر تنقلها الي سوريا، فسوف أعطيك أربعة أضعاف ذلك المبلغ"، ويضيف عبدالله "وافَقَ وأعطيته عنوان ورقم هاتف تلك العائلة التي كانت تأوي مروة عندها".

العائلة السورية طلبت سبعة آلاف وخمسمائة دولار مقابل تسليم مروة، لأنهم، حسب عبدالله، قالوا بأن جارهم أحد مسلحي داعش، وفي حال انكشاف الأمر سوف تتعرض حياتهم للخطر.

ويتابع قوله "وافقت على ذلك، أوصلت مروة الى المناطق الأمينة ومن هناك الى محافظة دهوك داخل العراق، بصورة اجمالية، كلَّفَت محاولة انقاذها تسعة آلاف و 500 دولار".

بعد انقاذ مروة، قرر عبدالله الاستمرار لإنقاذ شقيقاته وغيرهم ممن يستطيع انقاذهم.

تشير احصائيات مكتب انقاذ المختطفين الايزيديين التابع لحكومة اقليم كردستان الى أن عدد الايزيديين المختطفين كان ستة آلاف و 417 ايزيدي حين استهل عبدالله خطوته الأولى.

ويقطن ايزيديو العراق بكثافة في قضاء سنجار شمال غرب الموصل وسهل نينوى، وفقاً لإحصائيات حكومة الاقليم، كانت أعداد الايزيديين في العراق تُقَدّر بـ 550 ألف شخص، نزح 360 ألفاً منهم بعد هجمات داعش على سنجار، وهاجر أكثر من 100 ألف ايزيدي الى خارج البلاد.

تحرير مروة الذي كان بداية مهمة انقاذ النساء والفتيات الايزيديات أدى الى أن يكتسب لعبدالله شهرة جعلت من ذوي المختطفين يلجؤون اليه لمساعدتهم.

وكان عبدالله تاجراً غنياً، قبل مجيء داعش، حيث دأب على نقل السلع والبضائع من سوريا الى نينوى  تصدير العسل الى سوريا. ويقول "المال كان آخر همَي، هدفي الوحيد كان انقاذ تلك النساء والفتيات، كنت أخبرهم بالمبلغ الذي يطلبونه لتحرير المختطفين وهم يتولون بأنفسهم تأمين المبلغ المطلوب".

خطة من ثلاث خطوات

عمل عبدالله من ثلاث جهات لإنقاذ المختطفين، استهلها بجمع المعلومات عن المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش.

ويقول "في البداية، أنشأت علاقات مع الأشخاص الذين يهرّبون السجائر الى المناطق الواقعة تحت نفوذ داعش، بعدها قمت بشراء ملابس الأطفال وارسالها عن طريق بعض التجار الذين يتولون نقلها الى منازل مسلحي داعش لجمع المعلومات هناك".

وكانت خطوة عبدالله الثالثة، حسبما يقول، تأجير فرن صمون على حسابه لمدة ستة أشهر يؤدي دور مكتب لجمع المعلومات عن النساء والفتيات عند داعش في المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم".

وبات منزل عبدالله في دهوك مكتباً لإنقاذ النساء والفتيات الايزيديات يعج بالناس، ورغم ذلك ف العمل الذي كان يقوم به عبدالله لم يكن يخلو من المخاطر.

يؤكد عبدالله "هددني تنظيم داعش بالقتل عشرات المرات عن طريق الرسائل أو الاتصالات الهاتفية، ونشروا اسمي وصورتي في جميع مناطق نفوذهم في سوريا وكانوا على علم بأمري".

ويوضح "أخبروني بأنني يجب أن أتخلى عن انقاذ المختطفين الايزيديين، والا فإنهم سيعتقلونني ويقتلونني… لم تكن لتلك التهديدات أي أهمية عندي، جلّ همي كان فقط انقاذ المختطفين".

واضافةً الى اعدام اشقائه وخطف شقيقاته ومعاملتهن كسبايا، وقع أكثر من 50 شخصاً من ذويه وإقاربه في قبضة داعش. "تمكنت بجهودي الخاصة من تحرير شقيقاتي الست، ونحن حالياً نعيش معاً… لم أفرّق ابداً بين شقيقاتي والمختطفات الأخريات". يقول عبدالله.

ويضيف "ما أقوم به ليس لأجل المال ولم أكسب ديناراً واحدا، بالنسبة لي، انقاذ المختطفين الايزيديين يعادل الدنيا وما فيها، حرّرتُ عشرة من المختطفين على نفقتي الخاصة".

وتمكن عبدالله من تحرير 399 مختطفاً ايزيديا، ولا يزال على اتصال مع معظمهم، وهم في المقابل يعتبرونه كأبً لهم.

"قبل فترة طلبت إحدى الفتيات اللاتي أنقذتهن من الأسر، وهي الآن في المانيا، رأيي في مسألة زواجها"، قال عبدالله واضاف "سعادة تلك الفتاة أغلى من كل كنوز العالم".

عمار عزيز/ متابعة وكالة النبأ

اشترك في قناة وكالة النبأ على التلجرام لمتابعة آخر الأخبار
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات