شبكة النبأ المعلوماتية

كيف ستحافظ واشنطن على هيمنتها في الشرق الاوسط وبتكلفة أقل؟

twitter sharefacebook shareالخميس 17 ايلول , 2020104

سلط تقرير لمجلة فورين أفيرز ،على النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وماهي الطرق والوسائل التي يتوجب على الولايات المتحدة ان تتخذها لتحافظ على مصالحها بالمنطقة، وتتخذ في ذات الوقت استراتيجية تقلل تكلفة ومخاطر الهيمنة المستمرة هناك.

وذكر التقرير، إن "التغيرات الدراماتيكية التي حصلت في الأشهر الأخيرة على حاجة الولايات المتحدة إلى التركيز بشكل أقل على المنطقة، مما يسلط الضوء على كلا من تكلفة الفرصة البديلة لبقاء أمريكا متورطة في المنطقة والمخاطر الخاصة بمنهجية دونالد ترامب (الانسحاب من المنطقة)".

وأضاف التقرير، "حتى قبل الأزمة المزدوجة لجائحة كورونا وما تبعها من انهيار لأسعار النفط والتي جلبت موجة جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي للشرق الأوسط، كان وقت مقاربة أمريكية جديدة في الشرق الأوسط قد فات أوانها".

ويُعتبر تراجع النفوذ الأمريكي بالمنطقة مؤلم بالنسبة لكثير من صناع القرار والمحللين الأمريكيين.

وتقول المجلة: "مع انحسار جائحة كورونا فإن المنطقة ستبدو مختلفة وبالتالي فإن المشهد الجديد ينطوي عل فرص ومخاطر لأمريكا".

والتحدي أمام أمريكا هو حماية مصالحها المتبقية في المنطقة، والتي لا تزال مهمة في زمن تزداد فيه الإجراءات التقشفية مع حدة التنافس، وذلك بدون التقيد بالمنهجية والمقاربات الفاشلة في الوقت السابق.

ولا تزال أمريكا تتمتع بفرص للتقدم نحو منطقة أكثر استقرارا مع عدم الحاجة إلى كثير من الالتزامات المكلفة طويلة الأمد، وذلك من خلال الحد من التنافس الجيوسياسي داخل المنطقة، ومواجهة التصرفات الإيرانية بشكل فعال، وحل النزاعات بالوكالة.

والقدرة على إنجاز ذلك يجعل كفة واشنطن راجحة من ناحية النفوذ، ويسمح لها أن تفعل أقل في الشرق الأوسط دون التخلي عنه تماما. 

دول الخليج

وقد تسببت الجائحة وانهيار أسعار النفط في أن تواجه دول الخليج تراجعا كبيرا في الثروة وما لا يكفي من المال لدعم اقتصاداتها البائسة ناهيك عن القيام ببرامج إصلاح طموحة أو مشاريع تنمية ضخمة. وهذا الفقر النسبي سوف يعيق إمكاناتهم للتأثير في بقية الشرق الأوسط. حيث أن الأداة الرئيسية لدول الخليج في المنافسة الإقليمية على النفوذ هي المال. ويمكن رؤية فعالية تلك الأداة مثلا عندما أنفقت السعودية والإمارات مبلغ 30 مليار دولار لدعم حكم عبد الفتاح السيسي في مصر.

والآن حيث يتهاوى اقتصاد تلك البلدان فإنها تواجه مقايضات مالية صعبة. وعليهم تحديد كم بإمكانهم الاستثمار في حلفائهم المتعثرين مثل مصر والأردن، وكم بإمكانهم أن ينفقوا لصد المد الإيراني في العراق ولبنان. وكم بإمكانهم أن يحموا مصالحهم بينما يسعون نحو السلام في اليمن. ويجب عليهم التخلي عن أحلام القضاء على منافسيهم الأيديولوجيين وصناعة المنطقة على شاكلتهم.

ومع أن تمويل الخليج عمل أحيانا ضد مصالح أمريكا، إلا أن أمريكا كثيرا ما اعتمدت عليه لتمويل شركائها الأضعف ومساعدة جهودها الدبلوماسية. وخسارة هذا بالنسبة لأمريكا سيعيق الجهود الأمريكية لاستقرار المنطقة.

وفي الواقع فإن ما بعد الجائحة قد يكون لصالح إيران أكثر منه لصالح دول الخليج العربية.

ومع أن إيران تأثرت بشكل كبير بكوفيد-19 والعقوبات القاتلة إلا أنها اعتادت منذ فترة طويلة أن تتمكن من العيش دون دخلها النفطي، وهي مدربة بشكل جيد على ممارسة النفوذ الإقليمي بتكلفة قليلة. فالحرس الثوري الإيراني، نقطة الاتصال الرئيسية بالوكلاء يحصل على الأموال من التهريب بعيدا عن العقوبات ومن دخوله في قطاعات الاقتصاد الرئيسية في البلد مثل البناء والنفط والغاز. ولذلك يتوقع، بعد الأزمة، أن يزيد نفوذ إيران في العراق ولبنان وسوريا بينما يتراجع نفوذ دول الخليج العربية.

هذا التحول يجعل من الضروري أن تتم مراجعة منهجية إدارة ترامب العقيمة ضد إيران. بحسب المجلة. فقد صعد ترامب الضغوط الاقتصادية والعسكرية ضد إيران إلى مستويات عالية (حيث انسحب من الصفقة النووية التي توصل إليها سلفه أوباما)، ولكن لم يضع على الطاولة مطالب واقعية.

وتحدثت المجلة عن التوتر الأمريكي مع إيران في الآونة الأخيرة والذي بلغ ذروته بعد اغتيال قاسم سليماني، كاد أن يوصل الولايات المتحدة إلى شفير الحرب.

والنتيجة الرئيسية من حملة الضغط التي مارسها ترامب على إيران هي "العزلة الدولية" عند مواجهة طموحات إيران النووية، والضغط الداخلي من الحكومة العراقية لطرد القوات الأمريكية"، وسط حملة مستمرة لمواجهة تنظيم الدولة، وتحديات مستمرة تواجه أمن السفن وبنية الطاقة في الخليج.

ونجحت أمريكا على مدى العقدين الماضيين في ردع إيران لا من خلال تواجد عسكري ضخم، ولكن من خلال مزيج من العقوبات والمعلومات الاستخباراتية والضغط متعدد الجوانب والاستخدام المحدد للقوة عند الحاجة، بحسب المجلة. 

وتوفر هذا المقاربة لاحتواء إيران سبيلا لحثها على الحد من تلك التصرفات، وفي النهاية الامتناع عنها مفضلة التفاعل الدولي.

وتطبيق هذه المقاربة يحتاج إلى تعاون وثيق بين المؤسسات وتعاون من الحلفاء، وهاتين ميزتين غائبتين في الأطر السياسية الحالية لأمريكا.

الصراعات الأخرى

ويتوجب أن على أمريكا أن تهدئ الصراعات الأخرى الدائرة في المنطقة، والتي تعطي إيران وروسيا الفرصة في توسيع نفوذهما في الشرق الأوسط. وفي هذا الجانب قد يكون لأزمات الوقت الحاضر جانب إيجابي، فتأثر دول الخليج ماليا قد يقلل من ميلهم الحديث للمغامرات الإقليمية.

وفي المقابل، ومنذ عام 2011، قدمت دول الخليج الدعم المالي والمادي والسياسي للاعبين مسلحين في ليبيا وسوريا واليمن. 

وسمحت سياسات ترامب تجاه الصراعات الثلاثة للاعبين الإقليميين (إضافة إلى روسيا وتركيا) في السعي وراء أهدافهم دون خشية تجاوز أي خطوط حمراء أمريكية.

ومن المحتمل أن تدفع الظروف دول الخليج في إعطاء فرصة للسلام. وقد يساعد هذا بدوره أمريكا لتخفيف التصعيد دون الحاجة لالتزامات وإمكانات أمريكية مكلفة.

ويوفر الصراع في اليمن أفضل فرصة لأمريكا لتشجيع التوصل إلى حل سلمي. وبدأت كل من القيادة الإماراتية والسعودية تدركان أن تكلفة تدخلهما في الصراع يجعله غير قابل للاستمرار.

وعلى صعيد  الطرف الآخر، فإن بإمكان أمريكا أن تزيد من الضغط على الحوثيين (المدعومين من إيران) عبر تقوية التحالف البحري الذي يشمل أستراليا وفرنسا وغيرهما لاعتراض شحنات الأسلحة للحوثيين، رغم احتمال استمرار الجماعة في القتال ورغبتها في إلحاق أضرار بالسعودية.

ورغم ذلك يبقى بإمكان أمريكا أن تقلل من تدخل اللاعبين في الحرب، وتدعم عملية الحوار تحت رعاية الأمم المتحدة.

حراك دبلوماسي قوي

وذكر التقرير، يجب أن "تحرك الأولويات العسكرية في المنطقة "أهداف استراتيجية". واختصر المسؤول الكبير في البنتاغون تلك الأهداف للكونغرس في وقت سابق من هذا العام: "ضمان ألا تكون المنطقة ملاذا آمنا للإرهابيين ولا تسيطر عليه قوة معادية لأمريكا ويساعد على استقرار سوق الطاقة العالمي".

والمعضلة هي كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف بفعالية؟ وتجيب المجلة "يمكن لحراك دبلوماسي قوي أن يجلب الفاعلين في المنطقة إلى حوار أمني، ويحقق هذه الأهداف، كما اقترح ذلك جيك سوليفان في مجلة فورين أفيرز العام الماضي".

ومن هنا، فإنه "من المفيد القيام بمراجعة صفرية للموقف والتواجد العسكري الأمريكي في المنطقة".

وأوضح التقرير، أن "الضغط سيزيد من أجل تخفيض ميزانية الدفاع الأمريكية، في وقت يصل فيه عجز الميزانية إلى 1.5 ترليون دولار، وتقول، "لن يكون من الممكن إبقاء حاملتي الطائرات في الشرق الأوسط وإن لم ينتج عن المراجعة التي تقوم بها وزارة الدفاع تقليل الوجود العسكري ومزيج مختلف من الإمكانيات تكون قد فشلت في تحقيق الأولويات العسكرية الأمريكية".

وأشار إلى، أن "البنتاغون (وزارة الدفاع) بحاجة إلى طريقة رسمية لقياس أثر وضعها الإقليمي من حيث الردع. ما يعني أن على واشنطن ألا تتخذ قرارات بشأن وضعها العسكري في المنطقة كردة فعل على أزمات معينة أو كطريقة لإرضاء حلفاء قلقين".

وتابع، ان "على أمريكا تحديد ضوابط لإجراءات دقيقة للقيام بتحديد القوة التي تتماشى مع الأهداف الاستراتيجية وإعادة تقييمها عندما لا تفعل. فعملية منهجية ستطمئن الحلفاء الإقليميين بطريقة أكثر ديمومة وستوضح الإمكانيات والمحدودية للدور العسكري الأمريكي في تحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة".

و أن تعيد تقييمها للشراكات في الشرق الأوسط. فالتقارب الدبلوماسي بين الإمارات وإسرائيل يشير إلى أن أصدقاء أمريكا في المنطقة مستعدون للعمل سويا ضد التهديد الإيراني. 

وقف انتهاك القيم الأمريكية

ويجب عليها أيضا أن تتأكد من أن حلفاءها لا يعملون بطريقة تنتهك المصالح أو القيم الأمريكية، مثل: تحسين إمكانيات الحكومة الدكتاتورية لتقوم بمراقبة مواطنيها وقمع المعارضة. وعلى واشنطن أن تتأكد من أن الأسلحة الجديدة التي تشاركها مع أصدقائها لا تمكنهم من الانغماس في مغامرات تزعزع استقرار المنطقة.

والمهمة الأولوية، وفقا للمجلة، هي أن تشدد أمريكا من موقفها تجاه تجاوزات السعودية في الداخل والخارج. ويجب أن تفرض ثمنا لانتهاك السعودية للأعراف الدولية، مثل، قتل الصحافي جمال خاشقجي وزرع العملاء في الشركات الأمريكية، ومحاولة اختطاف سعوديين من أمريكا، ومساعدة سعوديين على الفرار من المحاكم الأمريكية.

وتضيف "يجب على أي إدارة أمريكية جديدة أن توضح للسعودية بأن الزيارات على مستوى عالي، وبيع الأسلحة، والفوائد الأخرى ستكون مقابل تغيرات في السياسة والتصرفات السعودية".

ويجب على واشنطن أن تركز في العلاقة على الرد على التهديدات الأمنية المشتركة من إيران وأن تقدم المهنية العسكرية على بيع الأسلحة (أي تقديم تدريب القوات السعودية لتكون فعالة على الاستفادة من بيع الأسلحة لها).

وأردف التقرير، يجب على أمريكا أن تضغط على السعودية في موضوع انتهاكات حقوق الإنسان وتشجيع المزيد من الحريات الاجتماعية. وإن كان محمد بن سلمان، ولي العهد والحاكم الفعلي، جعل من الواضح أن فترة حكمه ستكون فترة وحشية".

وترى المجلة أن هنالك سببا وجيها لأن تبقي أمريكا الرياض بعيدة عنها والاستعداد لهذا الاحتمال، حيث أن القمع لم يعد الوصفة الأكيدة للاستقرار على المدى الطويل. ما يعني أن السياسة الأمريكية في المنطقة لا تعتمد كثيرا على تعاون السعودية.  

القضية الفلسطينية وسوريا ولبنان

ونصح التقرير، أن "على أمريكا أن تعمل على منع اشتعال الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والعودة للعمل الصعب بوضع شروط للمفاوضات، مشيرا إلى العلاقات بين الجانبين تسوء رغم قرار إسرائيل تأجيل ضم أجزاء من الضفة الغربية".

وقالت المجلة، ان "ترامب دمر أي أمل لحل الصراع بإعطاء الضوء الأخضر لمخططات الضم الإسرائيلية مما أدى إلى تنفير القيادة الفلسطينية ومنع المساعدات الضرورية للصحة الفلسطينية والرعاية والاستقرار. يجب على أمريكا أن تعيد العلاقات مع الفلسطينيين وتقف موقفا قويا ضد أي ضم إسرائيلي لأراض في الضفة الغربية".

ويجب على واشنطن ألا تتخلى عن سوريا ولبنان. التدخل الأمريكي يمكنه أن يكون له أثرا محدودا. وإبقاء قوة محدودة على الحدود السورية العراقية مع إبقاء العقوبات على كل من سوريا وإيران قد تشكل في الأشهر القادمة ضغطا يؤثر على شكل النتائج الأمنية والسياسية.

وبالنسبة للبنان، فإن المجلة ترى أنه "يجب على واشنطن ألا تضيع فرصة الحالة الصعبة التي يمر بها البلد"، مضيفة "العمل مع فرنسا وآخرين يمكن لأمريكا أن تحشد الدعم الاقتصادي المشروط بإصلاحات سياسية واقتصادية وتدعم المجتمع المدني في لبنان وتستمر في الاستثمار في الجيش اللبناني ضد التهديدات المشتركة مثل تنظيم الدولة".

التعامل مع روسيا والصين 

وأوصى التقرير، أن "على واشنطن تجنب النظر إلى دورها في الشرق الأوسط من خلال عدسة المنافسة الجيوسياسة مع الصين وروسيا. فليس هناك سبب للتفكير بأن الحكومات في المنطقة عليها الاختيار بين الأطراف. ولا تزال علاقات الصين وروسيا علاقات تجارية بشكل كبير، وكذلك فإن أزمة كوفيد-19 تجعل البلدين تواجهان  قيودا محلية قد تحد من أنشطتهما في المنطقة".

ويمكن لواشنطن، أن "تراقب أنشطة الصين وروسيا في المنطقة، مثلا مشروع الحزام والطريق الصيني والتعاون التكنولوجي بينها وبين إسرائيل والخليج والقواعد العسكرية الروسية التي تسمح لروسيا أن تعكس قوتها خارج حدودها. وذلك "بدون التعامل معهما على أنهما جزء من لعبة صفرية. فيبقى التدخل الروسي انتهازي والصين حريصة على إقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل والعالم العربي، ولكنها لم تظهر رغبة في توسيخ يديها في الخلافات الإقليمية".

وتابع، انه "لا تزال أمريكا تتمتع بفرص لتشكيل منطقة أكثر استقرارا لا يحتاج لالتزامات طويلة الأمد. ويجب التركيز على تقييد التنافس الجيوسياسي في المنطقة ومواجهة التصرفات الإيرانية بشكل فعال وحل الصراعات بالوكالة حيث أمكن، ما يمكن أمريكا من فعل الأقل دون تهديد هيمنتها الإقليمية".

وأختتم التقرير، "يبقى هناك مخاطر تهدد المصالح الأمريكية، فالجائحة والأزمة المالية التي تسببت فيها تذكر بمدى هشاشة الحكم والخدمات الاجتماعية في دول كثيرة بالمنطقة، وهو ما يشكل تحديا طويل الأمد للاستقرار والأمن".

عربي 21

تحرير: فاطمة صالح

اشترك في قناة وكالة النبأ على التلجرام لمتابعة آخر الأخبار
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات