شبكة النبأ المعلوماتية

الأطباء في مواجهة كورونا.. ضغوط نفسية تضعهم في مواجهة الموت

twitter sharefacebook shareالأحد 09 آب , 2020

بغداد/ سوزان الشمري

جذبني مقطع فيديو لممرضة إيطالية يستقبلها أهالي الحي الذي تقطنه وجيرانها بالتصفيق والتحايا الحارّة كجزء من امتنانهم لما تقدمه من جهود في مواجهة كورونا، لكن الحال ليس كما هو عليه في العراق، فالأطباء والممرضين يشكون سوء المعاملة وتجنب الكثير من الاصدقاء والاقرباء والجيران لهم وهو ما كان له الأثر الكبير على حالتهم النفسية وهم يواجهون العدو الخفي كورونا.

النظرة المجتمعية غير المنصفة

وسام أمين الربيعي طبيب يعمل في مستشفى الكندي بالعاصمة بغداد يشكو سوء المعاملة من جيرانه ومعارفه ويقول: عند عودتي المنزل يتجنبني الاصدقاء والجيران، فبعد وجاهة الطيب صار السلام عن بعد فيما يحاول آخرون ممن اصادفهم في الطريق توجيه السلام او السؤال عن الحال او الاحوال رغم أننا في مواجهة الموت يومياً ونحارب عدواً خفيا.

ويتابع: رغم المخاوف التي تعتريني من احتمالية نقل عدوى لأسرتي وهو ما يرهقني نفسياً أواجه النبذ المجتمعي لمخاوف حملي للفيروس القاتل معلقاً "الا جزاء الاحسان الا الاحسان".

في حين تشكو الممرضة الطبية ريام حميد النظرة المجتمعية غير المنصفة تجاه الكوادر الطبية بحسب قولها، وتؤكد حميد وهي ممرضة تعمل بمشفى أهلي في محافظة كربلاء المقدسة ان "الكوادر الطبية محترمة في كل دول العالم على عكس واقعهم في العالم العربي في ظل أزمة كورونا، فعلى الرغم من مخاطر الموت التي تلاحقهم من استهداف عشائري يهدد البعض نتيجة وفاة احد المرضى وكأن الناس غفلت حكمة الله في الموت والحياة اذ ان الكثير من الاطباء يواجهون الموت بطريقتين اولها (كوفيد 19 المستجد، والسلاح العشائري المنفلت)".

الموت بين كورونا والعشائر

وتتابع: الامر لا يتوقف على حالات التهديد الآنفة الذكر فقط بل لا بد ان لا تستهين الحكومة بالجهود التي تقدمها الكوادر الطبية وهم خط الصدر الاول في مواجهة كورونا فبدل المكافأة والتكريم والتشجيع تتأخر الرواتب فنقع اليوم بين فراق الاهل وصعوبة تأمين مستلزمات الحياة في ظل ظروف صحية واقتصادية حرجة".

من جهته يقول الممرض سامر عماد وهو يعمل في مختبرات التحليل في مستشفى فاطمة الزهراء بجانب الرصافة انه يعاني من حالة توتر واجهاد نفسي بسبب الجهل المجتمعي المستهين بالمرض وحالة العزلة، اذ يواجه نبذ الجيران ويتجنب الاصدقاء له خوفا من تسببه عدوى كورونا لهم.

طرافة محبطة

ويقول: لأكثر من شهرين لم أزر أسرتي ولم اشاهدهم الا عبر كاميرا جهازي النقال خوفا من نقل عدوى لهم، ولم يكترث الاصدقاء ولم يفتقدوا وجودي بينهم بل ان الكثير منهم يتعامل معي بطرافة وسخرية لها تأثيرها البالغ على نفسي وادخالي في حالة من الاضطراب النفسي والاجهاد.

المنصات الالكترونية

وترتفع نسب الاصابات في العراق بشكل يومي يقابلها اعداد غير قليلة بنسب الوفيات تجاوز المئات يوميا فيما تعج مواقع التواصل الاجتماعي بنشر وفيات الكوادر الطبية والصحية التي طالها فيروس (كورونا).

وزارة الصحة وعدد من الاطباء والممرضين وجدوا من المنصات الالكترونية السبيل الاقرب لمناشدة المواطنين وتحذيرهم من مخاطر الفيروس والذي ينعكس على ضعف ما قد يقدم من خدمة صحية لمرضى كورونا نتيجة الاستهزاء والتهاون مع الاجراءات الوقائية والذي لايزال سيد الموقف مع ارتفاع اعداد الاصابات اليومية فيما حذر الاطباء من مخاطر عدم الصمود لما لا يحمد عقباه فيما لو استمرت حالة عدم الاكتراث في الشارع العراقي.

التضحية بالنفس غاية الجود

د. غيث الغفاري مدير اعلام مستشفى الصدر العام ببغداد أبدى امتعاضه من حالة عدم التزام المواطنين بالإجراءات الوقائية والاستهزاء بخطورة المرض الذي يهدد حياه الكوادر الطبية وبالتالي فأن المواطن المتجاهل يكون سبب آخر لانهيار المنظومة الصحية التي بدأت تفقد خيرة طاقاتها بسبب فيروس كورونا بحسب قولة.

ويضيف الغفاري، فقدنا خيرة كوادرنا الطبية وهم يواجهون فيروس كورونا القاتل والجميع يعلم المباغتة الخطيرة للفيروس لكنهم احتسبوا انفسهم شهداء عند الله في سبيل انقاذ المريض حتى وان كانت التضحية بالنفس وهي غاية الجود بالمقابل ورغم المناشدات التي نطلقها عبر مواقع التواصل الاجتماعي لضرورة حماية النفس وعدم المجازفة والاستهانة بالمرض الا ان الكثير من المواطنين لا يزال يجهر جهلا بالتقليل من خطورة كوفيد 19 وبالتالي يكون سببا في المجازفة بحياته وحياة الاقربون ومن ثم تهديد لحياة الكوادر الطبية التي ترتفع اليوم نسب الاصابة بينهم.

الوزارة في مرمى الاتهام

لكن وعلى ما يبدو فأن الاطباء والممرضين لا يواجهون اليوم خطر فيروس قاتل فحسب نتيجة لعدم الالتزام بالإجراءات الوقائية من قبل المواطنين وانما بما يتعلق كذلك بضعف المستلزمات الطبية المفترض ان توفرها وزارة الصحة لهم من كمامات وكفوف وبدلات وقائية وحتى فحص مسحة كورونا الدورية.

اذ اخذ الكثير من الاطباء على عاتقهم حماية انفسهم من مدخراتهم الشخصية ورواتبهم الخاصة والتي لا تزال حتى اليوم لم تصرف لأكثر من شهرين الامر الذي فاقم من التوترات النفسية للأطباء.

طبيبة الامراض النسائية والتوليد في مدينة الطب رويدة عبد الكريم انتقدت عمل وزارة الصحة لعدم قدرتها على تأمين مستلزمات الوقاية، لافتة الى وجود معاناة محفوفة بالقلق لكوادر الصحة من الملامسين لمرضى كورونا.

طبيب شاب لم يمضي على تعينه سنتان يندب حظة اليوم فيقول لم يعد ضروري ان "تتباهى بمعدل عالي يؤهلك لدخول كلية الطب او التمريض على حد سواء فالوجاهة غابت وانت تسير باسم دكتور او طبيب والموت يلاحقك في كل زوايا المشفى".

واضاف: رغم حالة الدعم التي نلاقيها من الخارج لكن الواقع داخل أرض المستشفى صورة أعمق لحرب طاحنة بين عدو خفي وانسان لا يملك حول ولا قوة وجندي بلباس ابيض يحارب دونما عده تحميه.

لا عزاء في موت الاطباء

الطبيب المتقاعد سليم فاخر يقول ان "موت الطبيب جراء الاصابة بكورونا، هي اللحظة التي تمثل الخضوع لقانون المهنة الاسمى في الكون، والولاء الشخصي لأخلاقها، انها اللحظة الاخيرة التي تشهد سقوط كائن متسام من اجل الاخرين.

واضاف: "تمارس مهنة مقارعة فايروس لعين (كورونا)، وانت على علم بأن احتمال اصابتك به تمثل نسبة كبيرة، هي مجازفة غير محمودة العواقب، ولكنها أيضا نابعة من ثقة كبيرة مبنية على ايمان بحتمية الانتصار على الخبث الذي يحوطنا، وان الطبيب هو رمز التضحية الاعظم، فيقدم دعوة لكل فرد، للاضطلاع بواجبه، مهما كلفه الامر".

وتسال فاخر عن السبب الذي يدفع الطبيب، وهو يعي كأي رجل عاقل بان الاغلبية خاطئة في موقفها، وهو يعي ايضا بانه يمكنه التملص والتهرب من مواجهة الموت وانقاذ حياته، فهل نعتبره متطرفا في موقفه، مواجها للموت كشر محض، او حبه لحياة الاخرين كخير محض.

وكشف فاخر في اتصال هاتفي مع وكالة النبأ للأخبار ان "سبب كثرة وفيات الاطباء من الذين اصابتهم لعنة كورونا المصابين وقلة نسبة الشفاء تأتي نتيجة لحجم وكميات الاصابات التي تلقوها خلال مراحل متابعة المرضى الامر الذي يجعل مسالة نجاتهم من قبضة الموت ضئيلة جدا"، موضحا ان "محافظة كربلاء شهدت النسبة الاكبر لحكم الوفيات ضمن الكوادر الطية في عموما بغداد"، داعياً الحكومة الى ضرورة مساعدة المواطنين لأجل التزامهم بالوقاية عبر توفيرها المستلزمات المطلوبة خصوصا للأسر ذات الدخول المحدودة، والتأكيد على مبدأ التباعد الاجتماعي بتوفير قواعد الاطر الازمة لذلك".

الضغوط النفسية حرب أخرى

ما يوجهه الأطباء والممرضين خلال معركتهم الشرسة ضد وباء "كوفيد-19" خطر الإصابة تظهر تبعيات تلك المخاطر ليست على الصحة الجسدية فقط وانما النفسية ايضا نتيجة الإحباط ونقص المعدات الطبية وارتفاع معدل الوفيات وهو ما يوصف بالخطر الاكبر الذي ينعكس سلباً على امكانيات مواجهة المرض بحسب مدرب التنمية البشرية عماد الفهد الذي وجهت رسائل تطمين ومؤازرة للأطباء مؤكدا على ان "الإرهاق والانهيار لن ينقص من قيمة الدور البطولي الذي تقوم به الكوادر الطبية لكن الجميع بحاجة لهم في هذا الوقت الحرج".

وثمن الفهد الدور البطولي لكل الكوادر الطبية على اختلاف تخصصاتها واصفا اياه بالموازي لدور افراد الجيش والشرطة، وتضحياتهم الكبيرة، لافتاً الى ضرورة حماية صحتهم النفسية وتجاوزهم مخاطر الانهيار.

وقدم الفهد للكوادر الطبية جملة من التوصيات لحماية صحتهم النفسية اهمها متابعة التغذية الصحية ومراعاة شروط النظافة لكن ليس بالهوس الذي قد يفقد الاشياء قيمتها والاكثر من شرب الماء والتأكيد على أهمية أخذ قسط من الراحة والنوم لما لا يقل 6 ساعات بشكل ضروري، لافتا الى ضرورة تجنب المشروبات الغازية والكافيين والتقليل من التدخين اذ يمثل هذا المثلث الدخاني والغازي اهم الاسباب الضاغطة على الاعصاب.

واضاف: لا بأس من استغلال وقت الفراغ بشي من الاستماع للموسيقى او قراءة الكتب او مشاهدة الافلام او متابعة كرة القدم لا تستغني عن هواياتك التي تضيف نوع من الارتياح النفسي، ولا تنعزل عن محيطك شكل غرف دردشة الكترونية مع الاصدقاء وتبادل النكت والقصص الطريفة، وشاركك الاخرين قصص جهادك ورسائلك ونصائحك خلال عملك واذ ما شعرت باضطرابات نفسية او حالات ازعاج تراودك وتتفاقم لابأس بان تتحاور مع مختصين نفسيين لتجاوز مسببات الارهاق والتعب.

تحرير: خالد الثرواني 

اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر الاخبارعلى الرابط ادناه
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات