شبكة النبأ المعلوماتية

فورين أفيرز: طموحات السعودية انتهت

twitter sharefacebook shareالأحد 09 آب , 2020

نشرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية مقالًا لـ غريغوري غوز، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة "تكساس آي آند إم" الأمريكية، تناول فيه طموحات السعودية التي وصلت إلى نهايتها، موضحًا أنه يجب على الأمير محمد بن سلمان أن يوقف نزيف خسائره في اليمن من أجل التفرغ لإصلاح الداخل والنجاة ببلاده من أزمة مالية محققة.

وفي مستهل مقاله، ذكر الكاتب أن تفشي مرض كوفيد-19 كان بمثابة ضربة ثلاثية بالنسبة للدول المُصدِّرة للنفط في الشرق الأوسط. إذ تراجعت أسعار الوقود، مما أدى إلى تفاقم المعاناة الناجمة عن الإغلاق العالمي وتفشي الفيروس الفتَّاك.

وتُعد هذه الأزمة أسوأ أزمة واجهها الشرق الأوسط في العصر الحديث؛ بحسب صندوق النقد الدولي. لكن بالنسبة لولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، البالغ من العمر 34 عامًا والحاكم الفعلي للمملكة، الذي كان طموحه الكبير وأساليبه القاسية من أسباب شهرته لدى الملايين في جميع أنحاء العالم بالأحرف الأولى من اسمه (إم بي إس)، كانت الجائحة كارثية على نحو خاص.

خطة طموحة.. ولكن!

وأشار الكاتب إلى أنه في أبريل (نيسان) 2016، كشف ابن سلمان عن ما أسماه "رؤية السعودية 2030"، وهي استراتيجية لتنويع الاقتصاد السعودي على مدى 14 عامًا. وأعلن ابن سلمان أنه بحلول عام 2020 ستكون المملكة قادرة على "العيش دون نفط". قال نصًّا: أعتقد أنه في عام 2020 لو توقف النفط، فسنستطيع أن نعيش.. نحن نحتاج إليه، لكن أعتقد في عام 2020 نستطيع أن نعيش من دون نفط.

وعلى مدى الأشهر التي تلت ذلك، وضعت الحكومة السعودية الخطة بمزيد من التفصيل؛ مسجلةً عام 2020 باعتباره العام الذي ستتخلص فيه المملكة من عجز الموازنة وتزيد من الإيرادات غير النفطية لتصل إلى 160 مليار دولار، وستكون على أتم الاستعداد لاستضافة 18.75 مليون حاج مسلم لأداء مناسك الحج والعمرة في مكة والمدينة.

واستدرك الكاتب قائلًا: لكن الجائحة قلبت تلك الخطط رأسًا على عقب؛ إذ ارتفعت الإصابات الجديدة بفيروس كورونا في المملكة في الأسابيع الأخيرة، وتجاوزت الحالات المؤكدة حتى الآن 280 ألف إصابة، وهو عدد أكبر بكثير من الحالات المُسجَّلة في أي دولة عربية أخرى. وتقلَّصت أعداد الحجيج على نحو كبير، إذ اقتصر الحج على ما لا يقل عن 10 آلاف مسلم ممن يعيشون بالفعل في المملكة. وارتفع عجز الموازنة في المملكة، وانهارت الشركات السعودية. وغادر الملك سلمان المستشفى في 30 يوليو (تمّوز) بعد التعافي من جراحة المرارة. ويبدو أن الانتقال الرسمي للسلطة إلى محمد بن سلمان أصبح أقرب ما يكون من أي وقت مضى، لكن الروح المعنوية في المملكة منخفضة.

وضع الأزمة

وشدد الكاتب على أن القائد الطموح لا يدع أي أزمة تمضي سدى، وإن كان محمد بن سلمان يوصف بشيء فهو يوصف بالطموح. فخلال الأيام الأولى من تفشي الجائحة، رفع محمد بن سلمان ضريبة القيمة المضافة في المملكة من 5 إلى 15 في المائة، وخصَّصت الحكومة مليار دولار من مدفوعات حزمة التحفيز للشركات السعودية التي تصارع من أجل البقاء في خضم الانكماش الاقتصادي.

ووجَّه ولي العهد السعودي صندوق الثروة السيادية السعودي نحو شراء الصفقات في أسواق الأسهم العالمية؛ حتى أنه تصادم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجهًا لوجه بشأن أسعار النفط: عندما رفضت روسيا الالتزام بحدود الإنتاج المحددة في عام 2017، زادت المملكة العربية السعودية من معدل إنتاج النفط، حتى أن أسعار النفط أصبحت بالسالب، لفترة وجيزة للغاية. وحتى مع عودة أسعار النفط إلى حوالي 40 دولارًا للبرميل، لا يحصل السعوديون إلا على نصف الإيرادات التي يحتاجونها لمعادلة الموازنة الحكومية.

ولا يزال بإمكان محمد بن سلمان تقليص ميزانيته، لكن القيام بذلك يعني التخلي عن اثنين من مشاريعه الشخصية أو تقليصهما على نحو كبير. فعندما بدأ التدخل العسكري السعودي في اليمن في عام 2015، كان محمد بن سلمان، الذي كان حينذاك (وحتى الآن) وزيرًا للدفاع، هو الشخصية البارزة في هذه العملية. لكن سرعان ما اتضح أن القتال في اليمن سيستمر لسنوات، وليس لشهور، وسمح ولي العهد لآخرين بتولي زمام الأمور في العلن.

يشير المقال إلى أن القتال مستمر حتى الآن، مع عدم وجود فرصة مؤكدة للسعوديين لهزيمة الحوثيين؛ حلفاء إيران الذين يسيطرون على العاصمة اليمنية صنعاء ومعظم الجزء الشمالي من البلاد. ويُعد الإنفاق العسكري للمملكة، المدفوع جزئيًا بالصراع في اليمن على الأقل، من بين أعلى معدلات الإنفاق العسكري في العالم لكل فرد: يقدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن تسعة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي السعودي يذهب إلى الجيش.

وإيقاف نزيف الخسائر ليس سهلًا على الإطلاق، كما أثبتت التجارب الأمريكية في فيتنام وأفغانستان بوضوح. وأطلق السعوديون كثيرًا من الإشارات بأنهم على استعداد لعقد صفقة بشأن اليمن، لكن هذه الإشارات نفسها تغري الحوثيين ورعاتهم الإيرانيين برؤية علامات النصر، أو بعض مظاهره، تلوح في الأفق.

يضيف المقال: إن الهزيمة في اليمن ستكون بمثابة حبة دواء مريرة على محمد بن سلمان أن يتجرعها، لكنها ستكون أقل سمية على المدى الطويل من الأزمة المالية التي يخاطر بها في الداخل. وفي النهاية، سيجد الحوثيون وإيران أن إدارة اليمن على الدرجة نفسها من الصعوبة التي يواجهها السعوديون، وستتاح للرياض الفرصة لاستعادة بعض التأثير هناك.

واليمن ليست هي المشروع الأثير الوحيد الذي سيضطر ابن سلمان للتخلي عنه. إذ خطط ابن سلمان، باعتبارها جزءًا من رؤية 2030، لبناء مدينة روبوتات مستقبلية في منطقة تقع شمال غرب البلاد غير مأهولة بالسكان، وأطلق على هذه المدينة المتصورة اسم "نيوم" وهو اسم مكون من شقين؛ البادئة الإنجليزية neo التي تعني جديد، وأول حرف من الكلمة العربية المستقبل (م) ليصبح الاسم بمعنى المستقبل الجديد، أي أن المستقبل الجديد للبلاد هو للتقنية المتطورة وليس للبتروكيماويات. ولكن التقديرات تشير إلى أن هذا المشروع سيكلف مئات الملايين مع ضمان ضئيل بعودة رأس المال؛ لأن معظم الوظائف ستؤول للروبوتات وليس للشعب.

وكانت المملكة قد خاضت تجربة بناء مدن صناعية قائمة على البتروكيماويات لأول مرة في سبعينيات القرن الماضي، وكان ذلك توسعًا حضريًا ناجحًا جدًا. ولكن المحاولات اللاحقة لتكرار هذا النجاح لم تصب الهدف، وسيكون مشروع نيوم هو المحاولة الأخطر على الإطلاق، بحسب الكاتب. لذا، فإيقاف هذا المشروع سيوفر على المملكة تكاليف مالية كبيرة حتى بموازاة إرسال رسائل للسعوديين مفادها أن ولي العهد على استعداد ليشد الحزام هو الآخر كما يطلب من السعوديين أن يفعلوا.

تضحية شخصية

يتابع المقال: تسبب انهيار أسعار النفط جراء جائحة كوفيد-19 في تأخير تنفيذ رؤية 2030 للتحول الاقتصادي، ولكنه فتح بابًا للفرص أيضًا. إذ غادر البلاد أكثر من مليون عامل أجنبي في السنوات الماضية، ومن المتوقع أن يغادر المزيد مع الأزمة الحالية. ولم يتمكن بعضهم من تحمل الضرائب والرسوم المرتفعة التي ترافقت مع رؤية 2030، فيما جاء البعض الآخر إلى البلاد كسائقين وهي المهنة التي تلاشت تقريبًا مع سماح ابن سلمان للنساء بالقيادة.

ولا يزال هناك المزيد من العاملين الذين يغادرون البلاد بسبب الركود الاقتصادي أو المخاطر الصحية التي رافقت وباء كورونا. وقد ساهم فقدان الكثير من المستهلكين والعمال في ركود الاقتصاد السعودي على المدى القصير، إلا أن الحكومة السعودية قد تستفيد من غيابهم في توفير المزيد من الوظائف للسعوديين على المدى الطويل.

تعقيدات النظام السعودي الجديد

يرى الكاتب أن تخفيض الخسائر السعودية في اليمن ومشاريع رؤية 2030 باهظة الثمن مثل نيوم، كانت ستصبح أسهل في ظل نظام صنع القرار السعودي القديم. فلجنة من كبار الأمراء، كانت تتولى مسألة صنع القرار على مدى عقود قبل وصول الملك سلمان للسلطة عام 2015، كانت كفيلة بأن تقنع أي أمير وإن كان قويًا ومتنفذًا بالتخلي عن أجندته الخاصة.

ولكن مع كون القرار اليوم بيد شخصين اثنين فقط، هما ابن سلمان ووالده الملك سلمان، فالمكابح السابقة لم تعد تعمل. والاستعداد لإعادة النظر في السياسات التي استثمر فيها الأمير عاطفيًا ووضع القيود والكوابح يجب أن يأتي الآن من الأمير نفسه وليس من أي ضغوطات خارجية. ونظرًا للأدلة التي قدمها ابن سلمان على طريقة حكمه، مثل قتله للمعارض الصحفي جمال خاشقجي، يبدو أنه يحتاج للحفر عميقًا في داخله كي يجد هذا النوع من الفضيلة.

ويضيف الكاتب أن على ولي العهد أن يفكر في تضحية أخيرة وشخصية للغاية ليضعها في قائمة مهامه لمواجهة جائحة كوفيد 19، ربما لن يمنحه فعلها أي منفعة اقتصادية مباشرة، ولكنها ستساعده في الحفاظ على أهم علاقة استراتيجية لبلاده وهي علاقتها مع الولايات المتحدة.

علاقات شخصية تدخل البلاد في حروب حزبية

طور ابن سلمان علاقات شخصية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر، وآتى هذا التقارب أكله عندما دعمت إدارة ترامب مناورته داخل العائلة المالكة لإقصاء سلفه الأمير محمد بن نايف الذي كان الشخصية المفضلة للإدارات الأمريكية السابقة. كما حمى ترامب ابن سلمان أيضًا من مواجهة تبعات قتله لجمال خاشقجي داخل الولايات المتحدة.

وفي المقابل، أدخلت العلاقة الخاصة بين ترامب وولي العهد السعودي العلاقات الأمريكية السعودية إلى ساحة الحروب الحزبية الأمريكية؛ فأصبح الديموقراطيون الذين يشككون في دوافع ترامب ويتذكرون العداء الذي كان يكنه بعض القادة السعوديين لباراك أوباما منتقدين بشدة لهذه العلاقة بين البلدين. وتعارض كتلة من أعضاء مجلس الشيوخ الديموقراطيين اليوم مبيعات الأسلحة للرياض، وينتقدون سياساتها في اليمن.

ويختم المقال بالقول: لم تكن المملكة العربية السعودية تحظى بشعبية لدى الجمهور الأمريكي على الإطلاق، إلا أن كل الرؤساء سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين عملوا للحفاظ على علاقة جيدة بين البلدين على مستوى النخبة. واليوم أصبح هذا القبول من نخب الحزبين في خطر، لذا يحتاج السعوديون لإظهار بعدهم عن إدارة ترامب بطريقة فعالة كي يكونوا قادرين على بناء جسور مع إدارة 2021 التي قد تكون ديمقراطية.

اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر الاخبارعلى الرابط ادناه
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات