شبكة النبأ المعلوماتية

في خضم الأزمة العالمية.. هل يجب على العالم إلغاء ديون البلدان الفقيرة؟

twitter sharefacebook shareالأحد 14 حزيران , 2020132

في مقالٍ نشرته صحيفة واشنطن بوست، طرح الكاتب إيشان ثارور تساؤلًا حول إمكانية إلغاء ديون البلدان الفقيرة؛ آخذًا في الاعتبار الظروف التي تمر بها نتيجة تفشي فيروس كورونا المستجد، وتأثيره الضار على اقتصاديات تلك البلدان.

يستهل الكاتب، المهتم بالشؤون الخارجية والجيوسياسية، مقاله قائلًا: يستمر الاقتصاد العالمي في الانكماش. وفي يوم الثلاثاء الموافق الثاني من يونيو (حزيران)، قالت المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي،كريستالينا جورجيفا: إنه  "من المحتمل جدًا" أن تخفض منظمتها توقعاتها للنمو العالمي في الأشهر المقبلة، في ظل تعمق الأثر الاقتصادي لجائحة فيروس كورونا المُستجد.

 ويتوقع الخبراء حدوث ركود، وارتفاع معدلات الفقر، وتزايد الجوع والبطالة في البلدان التي تفتقر إلى شبكات أمان اجتماعي أو لا توفرها على الإطلاق؛ وهي النتائج التي عجلت بحدوثها فترة الشلل الأوسع الذي فرضته فترة الجائحة على معظم أنحاء العالم. وأصبحت حياة عشرات الملايين في حالة حرجة الآن ومصيرها على المحك.

وقالت جورجيفا، خلال مؤتمر بث عبر الإنترنت برعاية صحيفة فاينانشيال تايمز:  "إن البيانات الواردة من العديد من البلدان أسوأ بالفعل من أشد توقعاتنا تشاؤمًا".

وغردت جورجيفا على موقع التواصل  "تويتر" قائلة: "بالطريقة نفسها التي يضرب بها مرض كوفيد-19 بشدة تلك البلدان التي لديها متطلبات مسبقة، فإن الأزمة تضرب بعض البلدان على نحو أشد ضراوة من غيرها. ويتحرك صندوق النقد الدولي بخطا سريعة وحاسمة لتزويد الدول بالتمويل الطارئ اللازم".

والسؤال المطروح على واضعي السياسات هو: ما الذي يمكن فعله لتخفيف بعض الألم؟ حشدت الحكومات في الدول الغنية تريليونات الدولارات لتحفيز الإنفاق، ودعم رفاهيتها، وإنقاذ بعض الشركات، وتقديم الدعم النقدي مباشرة إلى المحتاجين. ولكن رغم هذا، يخشى المنتقدون أن مثل هذه الإغاثة ليست سوى مُهدئ مؤقت.

ويرى الكاتب أن الوضع الذي يواجه عشرات البلدان الأكثر فقرًا يزداد سوءًا. فليس لديهم القدرة نفسها على اقتراض الأموال بفوائد منخفضة أو طباعة الأموال الخاصة بهم (على المكشوف). ويواجه الكثيرون الآن احتمال التخلف عن سداد الديون في ظل تداعي تروس حيوية في اقتصاداتهم إلى حد التوقف.

تدنٍ أخلاقي صارخ في انعدام المساواة العالمية

يرى الكاتب، الذي عمل كبير محررين بمجلة تايم سابقًا، أن الأزمة أبرزت المستويات المتدنية الصارخة لعدم المساواة العالمية: فحتى قبل أن تضرب الجائحة العالم، أنفقت 64 دولة (دخلها القومي) في خدمة ديونها المُستحقة للبلدان الأكثر ثراء، والمنظمات المتعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي والمقرضين الخاصين، وذلك على نحو يفوق ما خُصص للإنفاق على الرعاية الصحية لشعوبها.

ووفقًا لما أورده معهد بروكنجز البحثي، تنوء البلدان النامية بعبء ما يقرب من 11 تريليون دولار من الديون الخارجية، بالإضافة إلى 3.9 تريليون دولار عبارة عن خدمة دين مستحقة هذا العام. وفي الشهر الماضي، اتخذ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي خطوات لتوفير قدر ضئيل من تخفيف عبء الديون لعشرات الدول التي تعاني من مشاكل، بينما قال وزراء مالية مجموعة العشرين ذات الاقتصادات الضخمة إنهم سيعلقون مؤقتًا مدفوعات خدمة الديون لأشد البلدان فقرًا في العالم.

دعوة لإعفاء البلدان الفقيرة من الديون

يشير الكاتب إلى أن بعض السياسيين حول العالم يريدون اتخاذ مزيد من الإجراءات الشاملة. فالسناتور بيرني ساندرز (النائب المستقل عن ولاية فيرمونت) والنائبة إلهان عمر (النائبة الديمقراطية عن ولاية مينوسوتا) دعيا يوم الأربعاء الثالث من يونيو، في رسالة موجهة إلى جورجيفا، ورئيس البنك الدولي ديفيد مالباس، المنظمات المالية الدولية للنظر في  "الإعفاء الشامل من الديون" لأكثر من 70 دولة من أفقر دول العالم.

ووقع الرسالة، التي دعت أيضًا إلى تقديم حافز مالي كبير للمساعدة في استقرار الاقتصاد العالمي، أكثر من 300 مُشرّع من أكثر من 20 دولة، من بينهم الرئيس الأرجنتيني السابق كارلوس منعم، ووزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، والسيناتور ريتشارد جوزيف دوربن (النائب الديمقراطي عن ولاية إيلينوى)، أحد كبار الأعضاء (المخضرمين) في مجلس الشيوخ الأمريكي.

وجاء في الرسالة، التي نشرت مسودة منها في ملحق  "تودايز وورلد فيو" (Today’s WorldView) الذي يصدر عن الواشنطن بوست: "إن المجتمعات الضعيفة المعرضة للخطر والتي تفتقر إلى الموارد والامتيازات اللازمة لاتخاذ تدابير الصحة العامة المناسبة ستواجه في نهاية المطاف عبء فيروس كورونا المستجد الهائل".

وأضافت الرسالة: "وهذا الضرر يعني أن سلاسل التوريد العالمية، والأسواق المالية، وغيرها من العمليات التبادلية المترابطة ستستمر في التعرض لحالة من الاضطراب وعدم الاستقرار".

دعوة لصندوق النقد الدولي للتدخل

ودعا النائبان الأمريكيان إلى تبني أداة تكنوقراطية في مجموعة أدوات صندوق النقد الدولي المعروفة باسم حقوق السحب الخاصة (SDRs)، والتي يمكن أن تجلب مئات المليارات، بل تريليونات الدولارات، من السيولة الجديدة إلى الاقتصاد العالمي.

وكانت المرة الأخيرة التي سمح فيها صندوق النقد الدولي بتدفق كميات كبيرة من حقوق السحب الخاصة الإضافية في عام 2009 كجزء من ضخ تريليون دولار في الاقتصاد العالمي في أعقاب الأزمة المالية.

وجاء في تدوينة لمؤسسة أوكسفام الدولية على موقع تويتر ضمن وسم لأخبار صندوق النقد الدولي أن احتياطيات الذهب ارتفعت إلى 19 مليار دولار منذ انتشار جائحة فيروس كورونا. وهذا أكثر من الدين الكامل الذي تدين به الدول الأكثر فقرًا. ويجب أن يستخدم صندوق النقد الدولي هذه الأرباح المفاجئة في إلغاء الديون لتجنب الخسائر الكارثية في الأرواح في البلدان النامية.

ويشجع النائبان ساندرز وعمر، اللذان يُنظر إليهما على نطاق واسع على أنهما يمثلان الجانب اليساري من سياسات الحزب الديمقراطي، الأفكار المتعلقة بتخفيف الديون والإنفاق على الأزمات التي أصبحت سائدة على نحو متزايد.

ووجه الاقتصاديون وصانعو السياسات المؤيدون لهما بالفعل دعوات مماثلة لتبني جولة جديدة من حقوق السحب الخاصة، والتي لن تحدث فرقًا كبيرًا بالنسبة لدافعي الضرائب في الدول الغنية. ويقول مؤيدو الفكرة إن الدول الغنية يمكنها أن تحول طواعية بعض الأموال الناجمة عن حقوق السحب الخاصة – والتي تخصص على أساس حصص صندوق النقد الدولي التي تمنح الدول الغنية حصصًا أكبر – إلى الدول الأكثر فقرًا.

وقال ساندرز في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى "تودايز وورلد فيو": "إن اتخاذ إجراءات منطقية لإلغاء الديون وتوفير الاستقرار المالي – وهي خطوات لا تكلف دافعي الضرائب الأمريكيين بنسًا واحدًا – هي أقل ما يمكننا فعله لمنع قدر لا يمكن تصوره من الفقر، والجوع، والمرض الذي يمكن أن يضر مئات ومئات الملايين من البشر".

إدارة ترامب تعارض إعفاء الديون أو تخفيفها

يتابع كاتب المقال: حتى الآن، رفضت إدارة ترامب، التي تمارس وزارة الخزانة فيها نفوذًا هائلًا على صندوق النقد الدولي، الفكرة. ويتمثل أحد أسباب معارضتها في عدم الرغبة في إنشاء آلية تعزز الاحتياطيات الأجنبية لدول لديها خصومة معها مثل الصين، أو إيران، أو فنزويلا دون إجبارها على تقديم أي تنازلات.

لكن المنتقدين يقولون إن مثل هذا التفكير قصير النظر. وقال مسعود أحمد، رئيس مركز التنمية العالمية والمسؤول الكبير السابق في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: "عندما تشتعل النار في المنزل، لا تمنع رجل الإطفاء عن أداء مهمته لحين حسم من سيدفع ثمن أضرار المياه". وأضاف أحمد: "لا توجد عصا سحرية لنستخدمها، ولكن هذه هي أقرب أداة لدينا من شأنها أن تساعد أكبر عدد من البلدان التي تواجه مشاكل اليوم".

ويجادل خبراء آخرون بأن إدارة ترامب يمكن أن تستفيد من نفوذها في صندوق النقد الدولي في صدامها الجيوسياسي مع الصين، التي تمتلك الآن شريحة كبيرة من الدين العام في العالم النامي، بما في ذلك ثلث الديون السيادية لقارة أفريقيا، خاصة وأن الصين غير ملتزمة بتقديم إعفاء كبير لهذه الدول.

وفي هذا الصدد، كتب المؤرخ الاقتصادي آدم توز: "كان من الممكن أن يكون دعم التوسع في موارد صندوق النقد الدولي أحد وسائل الولايات المتحدة لاستعادة الأرض التي خسرتها لصالح الصين، بسبب التعامل الخاص بأزمة مرض كوفيد-19، لكن إدارة ترامب إما تفتقر إلى الرؤية أو ترى أن الثمن السياسي لهذا الأمر باهظ للغاية".

ويختم الكاتب قائلًا: بالنسبة إلى الموقعين على الرسالة، يعتبر الإعفاء من الديون أحد القواعد الأساسية لتحقيق تعافٍ عالمي أوسع. وقال ساندرز:  "إن ما تظهره لنا هذه الأزمة هو أننا جميعًا شركاء في هذا الأمر، باعتبارنا مجتمعًا عالميًّا. وعلينا أن نظهر تعاطفًا وتضامنًا وتعاونًا غير مسبوق في الوقت الحالي، لأن هذه الجائحة أظهرت للجميع أننا سنكون آمنين وأصحاء فقط بقدر ما يتمتع به البشر الأكثر ضعفًا بين ظهرانينا من أمن وصحة".

المصدر: ساسة بوست

اشترك في قناة وكالة النبأ على التلجرام لمتابعة آخر الأخبار
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات