شبكة النبأ المعلوماتية

الشهيد حسن الشيرازي.. جهاد بجبهات متعددة لرجل واحد

twitter sharefacebook shareالأثنين 10 شباط , 2020627

التاريخ الانساني يصنعه العظماء، خصوصا أولئك الذين يمزجون حبر المعرفة وعرق الجبين بدم الشهادة في سبيل الحق والحرية ليصنعوا منه إكسير المجد والخلود.

ومن بين اولئك العظماء الذين نشروا العلم، وحاربوا الشرك، وجاهدوا الدكتاتورية والاستبداد طوال النصف الثاني من القرن الماضي الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي (رحمه الله)، الذي نبحر هذه الأيام في سفينته المعنونة بالزهد والتقوى وحسن العاقبة مخلدين ذكرى وفاته الاليمة.

من هو الشهيد حسن الشيرازي؟

عالم ومفكر إسلامي شيعي عراقي ولد في مدينة كربلاء المقدسة سنة 1937 م.

ينحدر من أسرة عريقة في العلم والسياسة والفضل، من نسل المجدد الشيرازي الأول السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي، ويتصل من جهة الأم بالميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين في العراق.

والده المرجع الديني الميرزا مهدي الشيرازي اجتهد على يد كبار المراجع في عصره.

اهتم بالجوانب الفكرية و الاقتصادية والسياسية إلى جانب تخصصه في الفكر الإسلامي.

مارس دور التوجيه والوعظ والإرشاد والتعليم في الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة وغيرها.

الاعتقال والهجرة

ولما كانت الانظمة الشمولية وخصوصا الحكم البعثي الديكتاتوري في العراق، خائفة على عروشها من  جهاد الثوار والمؤمنين، استمرت بالسعي الدؤوب لإعتقال هؤلاء الثوار والمجاهدين، وحبسهم من اجل منع التفاعل مع التموجات الجماهيرية الغاضبة بالاضافة الى محاولة التاثير النفسي على المعتقلين.. ليكون ذلك بداية تراجعهم عن العمل السياسي والثوري المعارض، وعندما ضاق حزب البعث البائد ذرعا باعمال السيد الشهيد الشيرازي لم يجد وسيلة اجدى من اعتقاله لتوقيفه عن نشاطاته السياسية والاعلامية المكثفة ضد النظام البائد، ولهذا فقد اقدم النظام على تنفيذ هذه الخطوة الجبانة حين اعتقل السيد الشهيد في اوائل ربيع اول عام 1389هجري، نقل على اثرها فورا لمركز التعذيب القاسي في قصر النهاية المعروف..

ولاقى الشهيد ألماً تعرض خلاله لـ44 نوع من انواع التعذيب البشع في سجون البعث الرهيبة، وسطر مجلداً خالدا باستقامته وصموده وعدم اعترافه على قائمة كانت تظم 300 شخصية اسلامية كان النظام ينوي اعتقالهم والتنكيل بهم وقتلهم.

وبعد ثلاث شهور من السجن والتعذيب نقل الشهيد الشيرازي الى المستشفى العسكري ببغداد، ومنه الى سجن بعقوبة حيث تحسنت حالته الصحية قليلا وسمح النظام البائد لأهله بزيارته والاطمئنان عليه، ومن المفارقة هنا ان والدة الشهيد لم تعرف وجهه على اثر السجن والتعذيب بل عرفته من نبرات صوته وشكله، ولما اطلق سراح السيد الشهيد فيما بعد عاد الى كربلاء التي كانت على موعد معه لتزف اليه تهاني الصمود والانتصار.

 بعد تلك التجربة المريرة مع البعث البائد فكر الشهيد بطريقة اخرى يكمل بها مسيرته الثورية والجهادية، فكانت فكرة الهجرة الجهادية الى خارج العراق والتي اعطت بعدا اقليميا وعالميا اوسع للحركة الاسلامية الثورية ضد البعث.

جهاده..

يمكن لنا الإشارة الى جهاده في العهدين الملكي والجمهوري:

 العهد الملكي: في خمسينات القرن العشرين الميلادي، أي قبل قيام الحكم الجمهوري في عام 1958م، وقف السيد الشهيد بوجه أي سياسة محلية معادية للإسلام وموالية لقوى خارجية، لم تر في العراق إلا بقرة حلوب تحقق لها مصالحها فيه خاصة وفي منطقة الشرق الأوسط عامة.

العهد الجمهوري: في أعقاب انهيار النظام الملكي العراقي في 14/7/1958م، حيث بدأ منذ ذلك اليوم العهد الجمهوري وخضعت البلاد بصورة متعاقبة لحكم قوى سياسية غير إسلامية متصارعة على السلطة، تنوعت أساليب كفاح السيد الشهيد تجاه هذه القوى.

الجمهوري الأول:

في العهد الجمهوري الأول اعتمد الشهيد على الأساليب التالية:-

* إنشاء هيئة الشباب الحسيني، وكانت مكلفة بطباعة وتوزيع المنشورات الدينية الهادفة إلى توعية الأمة ومنع أبنائها من الانحياز لصالح الفئات المعادية للإسلام.

* تأليف الكتب الهادفة إلى الرد على أفكار القوى العلمانية وتمجيد الفكر الإسلامي والدعوة إلى تطبيقه باعتباره منقذ الناس من الضلال والمشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومن هذه الكتب (الاقتصاد)، الذي بيّن مثالب الأنظمة غير الإسلامية ومشاكلها ثم عرض الفكر الاقتصادي الإسلامي وأوضح قدرته على بناء دولة إسلامية قوية مرفهة أو بعيدة عن كل أشكال القهر – السلطوي والمالي والعنصري والطائفي – والتفاوت الطبقي والانحراف الأخلاقي والأمراض الاجتماعية.

* إقامة مهرجان سنوي كبير بمناسبة ذكرى ولادة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام اغتنمه السيد الشهيد قدس سره لفضح سياسات القهر السلطوي وكثير من السياسات الأخرى التي حكمت العراق في مجالات التربية والاقتصاد وغيرها.

الجمهوري الثاني:

ففي العهد الجمهوري الثاني، الذي ساد فيه بصورة متتابعة أكثر من جماعة سياسية غير إسلامية ناضل السيد الشهيد ضد انحرافات ذلك العهد بأساليب عديدة، مثل:

* محاولة إدامة إقامة المهرجان السنوي بمناسبة ولادة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وقد اضطر السيد الشهيد إلى مغادرة العراق متوجهاً إلى لبنان على أثر إلقائه كلمة وقصيدة نارية في مهرجان عام 1964م.

* محاولة إدامة نشاط وزيادة عدد المجلات الإسلامية.

* تشكيل وفود عديدة لمقابلة الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف ومن ثم أخيه الرئيس عبد الرحمن عارف، من أجل توضيح حاجات الشعب وغيرها من مسائل البلاد الملحة ومساوئ السياسة العامة للدولة. وهذا يمثل أسلوباً سلمياً، لم ينطو على استخدام العنف.

* كتابة موضوعات أدبية دينية للإذاعة العراقية، وقد جمع ما أذيع منها ونشر في كتاب (التوجيه الديني).

* تأليف عدد من الكتب الإسلامية بهدف نشر تعاليم الإسلام في أوساط الشعب العراقي وباقي المسلمين. ومن تلك الكتب: موسوعة الكلمة، وحديث رمضان، وإله الكون، وانجازات الرسول صلى الله عليه وآله ورسول الحياة، والشعائر الحسينية، والعمل الأدبي، والأدب الموجّه، وغيرها.

الجمهوري الثالث:

في عهد الرئيس المقبور أحمد حسن البكر، الذي ابتدأ منذ 17/ 7/ 1968م، تعرض السيد الشهيد للاعتقال والتعذيب منذ ربيع الأول عام 1389 للهجرة في سجن قصر النهاية المرعب ببغداد ثم نقل بعد فترة إلى سجن محافظة بعقوبة ثم أخرج منه بسبب ضغط الرأيين العامين المحلي والدولي.

مواصلة الكفاح

كان أعلى الله درجاته يتردد كثيراً على سوريا لممارسة نشاطاته فأسس الكثير من المؤسسات التربوية والثقافية والدينية والاجتماعية في كل  من سوريا ولبنان وأوروبا وأستراليا وساحل العاج وسيراليون ونيجيريا وكينيا.

وضع أول لبنة في تأسيس الحوزة العلمية الزينبية في سوريا عام 1975م وقد خرجت هذه الحوزة منذ تأسيسها إلى اليوم المئات من الطلاب من مختلف الجنسيات وتعتبر اليوم أكبر وأهم الحوزات في هذه البلدة الطيبة وهي ما زالت الى اليوم تمارس كل الصيغ للوصول إلى تحقيق الأهداف الإسلامية عامة.

مع العلويين:

وقد وضع أول لبنة فيما يتعلق بالعلاقات مع العلويين الشيعة في سوريا ولبنان استطاع أن يزيل الأوهام التي تعلقت بمخيلات البعض عن هذه الفئة من المسلمين الشيعة، كذلك دافع وبحماس عن كافة حركات التحرير العالمية وخاصة حركات التحرير الإسلامية، ووقف بثبات ضد الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، دافع عن قضايا لبنان وخاصة الجنوب في كل المحافل والمناسبات، وأكد على وجوب تحقيق الوفاق الوطني، كما قدم مساعدات مالية ومعنوية للجنوب اللبناني لكثير من العوائل التي شردت نتيجة الحملات الصهيونية.

تبين وثيقة تاريخية قديمة لرابطة العالم الاسلامي، جهود اية الله الشهيد السيد حسن الحسيني الشيرازي قدس سره، الرامية الى اعادة اعمار مراقد اهل البيت عليهم السلام في البقيع.

وتدعو الوثيقة الى  تسهيل مرور قافلة السيّد الشهيد حسن الشيرازي قدّس سرّه ومرافقيه لمقابلة ملك السعودية والاجتماع به لبحث وضع البقيع الغرقد وإعادة إعمار قبور الأئمة عليهم السلام.

وقول المرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيّد محمّد الحسيني الشيرازي أعلى الله درجاته، في كتابه الاخ الشهيد، "كان (الشهيد آية الله السيّد حسن الشيرازي قدّس سرّه) يذهب إلى الحجّ كل سنة لأهداف تبليغية عالية، وقد التقى بالسعوديين وضغط عليهم لأجل تعمير البقيع الغرقد ووعدوه بالسماح لتعمير البقيع".

واضاف، "بعد جهد وتعب كثير ومناقشات ومحاورات مع كبار رجالهم وفقهائهم، لكن بعض الجهات في العراق منعت عن ذلك بالمال الكثير والإغراء وما أشبه، وكانت الجمعية العراقية التي منعت عن ذلك أناساً من الشيعة! بمعاونة من حكومة العراق".

الى الخلود..

في يوم ( 2/5/1980) عندما كانت الساعة تشير الى السادسة - تقريبا من مساء يوم الجمعة - غادر السيد الشهيد حسن الشيرازي الفندق الذي كان يقيم فيه أثناء تواجده في بيروت قاصداً مدرسة الامام المهدي الدينية الواقعة في منطقة برج البراجنة للمشاركة في مجلس الفاتحة الذي أقامه سماحته بمناسبة شهادة السيد محمد باقر الصدر وشقيقته الفاضلة بنت الهدى على أيدي عصابات البعث في العراق.

غادر سماحته الفندق مستقلاً سيارة أجرة وعندما واصلت السيارة سيرها بإتجاه برج البراجنة عن طريق الشارع المطل على البحر في منقطة الرملة البيضاء إذ اندفعت سيارة مسرعة إلى الامام واعترضت سيارة الأجرة التي كان سماحته بداخلها، فإضطر السائق الى تخفيف السرعة، وعلى الفور حاصرت سيارتان أخريان سيارة الأجرة من الجانبين بينما كانت السيارة الرابعة تراقب الوضع عن كثب، عندها إنهمرت طلقات الرصاص بإتجاه الشهيد الذي كان يجلس في المقعد الخلفي من الجانب الأيمن للسائق وإخترقت الرصاصات زجاج السيارة وأصابت الشهيد إصابات مباشرة فسقط سماحته مضرجاً بدمه وأستشهد على الفور بعد أن أصيب بثلاث عشرة - رصاصة - معظمها في رأسه.

اشترك في قناة وكالة النبأ على التلجرام لمتابعة آخر الأخبار
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات