عاجل
شبكة النبأ المعلوماتية

هكذا تحولت السعودية الى مصيدة للروهينغا

twitter sharefacebook shareالسبت 02 تشرين الثاني , 2019

منذ خمسينيات القرن العشرين كانت السعودية وجهة رئيسية لمسلمي الروهينجا الذين شرّدهم التطهير العرقي في بلادهم، ووجدوا في مهد الإسلام وجهة مأمولة يطلبون فيها العدل والمساواة والعيش الآمن. وبينما وجد لاجئو تلك الحقبة الأولى بعض ما كانوا يطلبون، يعاني الروهينجا في السعودية اليوم من سياسة مختلفة تُعلي المصالح الاقتصادية والسياسية للمملكة عليهم، وتلقي بهم بين خيارين مرّين إما الاحتجاز في السجون أو العودة إلى البلاد التي لفظتهم مرةً أخرى.

لماذا اختار الروهينجا السعودية وجهةً لهم؟

على الرغم من أنّها ليست من دول الجوار، إلا أنّ ما تحظى به السعودية من مكانةٍ في قلوب المسلمين في أنحاء العالم، كونها نبع الإسلام ومهده، تجعل منها وجهة أولى يقصدها من يعاني الظلم والقهر لأجل دينه. لهذا السبب نزح الكثير من الروهينجا إليها وأصبحت السعودية تضم ثاني أكبر تجمع للروهينجا خارج ميانمار بعد بنجلاديش.

ومنذ تصاعد الحملات العرقية ضد الروهينجا في سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت بنجلاديش وماليزيا وتايلاند واليابان والهند إضافة للسعودية من الوجهات التي قصدها الروهينجا هربًا من بطش آلة الحرب في البلاد.

وقد قدّم الملك الراحل فيصل مأوى لربع مليون شخص من الروهينجا، الذين حظوا بحياةٍ مستقرة هم وأسرهم، ووفّر لهم أوراق إقامة دائمة في البلاد، الأمر الذي ضمن لهم ممارسة الأعمال والحصول على الوظائف بشكلٍ قانونيٍّ في البلاد، والتنقل الحر داخلها وخارجها.

استمر الدعم والقبول لمسلمي الروهينجا المهاجرين حتى عهد الملك عبد الله الذي قدّم لبعضهم أيضًا إقاماتٍ دائمة. على الرغم من حصول بعض حوادث الإبعاد أو عدم السماح لبعضهم بدخول البلاد وإعادتهم من المطار إلى البلدان التي جاءوا منها، إلا أنّ الوضع بشكلٍ عام كان لا يزال جيدًا لهم في بلاد الحرمين مقارنة بغيرها من الدول.

عمل معظم الروهينجا في السعودية في وظائف بسيطة لا تحتاج إلى الكثير من المهارات، وبقيت معاناتهم مقصورة على المعاناة المعروفة للعمّال الأجانب في السعودية. نسبة كبيرة من البورميين أقامت في مكة وجدة وعمل أفرادها في بيع الخضراوات، وكنس الشوارع وحمل البضائع والنِّجارة، والمحظوظون منهم أصبحوا سائقي مركبات.

كما أنّ العديد من عائلات الروهينجا سعت لتزويج فتياتها الصغار من مسنيِّن سعوديين طلبًا للمال أو لضمان إقامة دائمة أو عملٍ ثابت، ولكن تبقى تلك الفتيات مجبراتٍ على التكيّف مع المعاملة باعتبارهن طبقة أقل شأنًا من أصحاب الأرض.

الروهينجا في السعوديّة في عصر "الإسكندر"

اختلفت السياسة تجاه الروهينجا في السعودية منذ تولِّي الملك سلمان سدة الحكم، وبعد أن عيّن ابنه محمد بن سلمان وليًا للعهد وأطلق خطّته الطموحة 2030 للسعودية ما بعد النفط. في بحث السعودية عن علاقات جديدة ومكاسب سياسية واقتصادية، اختلفت الوجهة وعانى من ضمن من عانى من آثار هذا التحول مسلمو الروهينجا.

أصدرت السلطات السعودية – باعتبارها جزءًا من رؤية 2030 – خطةً لملاحقة العمّال الأجانب المتواجدين في البلاد دون إقاماتٍ رسمية أو بإقاماتٍ منتهية الصلاحية في محاولة لترميم الاقتصاد، والتخفيف من عبء العمالة الزائدة.

أوقف الآلاف من العمّال واحتُجزوا في مراكز تمهيدًا لترحيلهم إلى بلدانهم، وكان من بين هؤلاء العشرات من الروهينجا الذين علِقوا في مخيمّات اللجوء البائسة في بنجلاديش، ولم يجدوا طريقًا للخروج من البلاد سوى اللجوء للمهرِّبين لتزوير جوازات بنجلاديشية أو هندية أو نيبالية أو باكستانية للهروب من جحيم المخيمات، دخل هؤلاء الأشخاص في المعظم إلى السعودية بفيزات عمرة ولم يغادروا البلاد بعد انتهائها.

ترفض ميانمار الاعتراف بالروهينجا مواطنين، وترفض منحهم الجنسية كغيرهم من سكان البلاد، مدعية أنهم ليسوا سوى لاجئين من بنجلاديش ودولٍ أخرى ولا يوجد قيود تُثبت انتماءهم لهذه الأرض. الأمر الذي يرفضه الروهينجا مصرّين بالطبع على أنهم أبناء هذه الأرض، معتبرين ما تقوم به السلطات ما هو إلا تطهير عرقي وتمييز ضدهم كونهم مسلمين وليسو بوذيين كباقي سكان البلاد.

مركز الشميسي في جدّة هو مكانٌ تحتجز فيه السلطات السعودية المخالفين لقوانين الإقامة من مختلف الجنسيات يتسع لأكثر من 30 ألف شخص. تُطبِّق السلطات السعودية الأمر نفسه على الروهينجا دون اعتبارٍ للخلفيات التي أوصلتهم إلى هذا الحال، وهي الخلفيات التي اعتبرتها سابقًا منذ حقبة حكم الملك فيصل.

في شهادات للعديد من الأشخاص الذين احتجزوا لفترات في هذا المركز، يقولون إن المكان يتجه من سيء إلى أسوأ، وأن ظروف الإقامة هناك غير آدمية. حيث يُحتجز الرجال بأعدادٍ كبيرة في غرف غير مكيفة في مدينة تصل درجة الحرارة فيها صيفًا إلى 50 درجة مئوية.

بينما استجابت السلطات للإضرابات عن الطعام التي كان ينفذها المحتجزون للمطالبة بإصدار إقامات لهم تضمن لهم العمل وإعالة أنفسهم وأسرهم؛ بالتعذيب وإجبار المحتجزين على تناول وجباتهم، ويلي ذلك الحرمان من الأغطية والفراش وإبقاء المحتجين لساعاتٍ تحت الشمس الحارقة.

وفيما كان يأمل الروهنجيّون بحياةٍ آمنة وفرصةٍ للعيش بالحد الأدنى في بلاد الحرمين، وجدوا أنفسهم محتجزين لسنوات، بعيدين عن عائلاتهم دون أن يُسمح لهم بالتواصل سوى مراتٍ قليلة عبر الهاتف، فيما يعانون هم أيضًا من ظروف احتجاز سيئة.

جدير بالذكر أن السعودية لا تؤوي لاجئين ولم توقع على اتفاقية عام 1951 لحماية اللاجئين. فليس هناك صورةٌ قانونية للتواجد على أراضي السعودية سوى الحصول على إقامة، وأيّ شكل آخر لا يضمن للمتواجد على الأرض أيّة حقوق في التعليم والعلاج أو غيرها. الأمر الذي ينتقده الكثير من النشطاء والعاملين لدى منظمات حقوق الإنسان الذين يرون أن الوقت قد حان لتغيير هذه السياسة في السعودية.

ترحيل قسري إلى بلدانٍ ليست لهم

في العام الماضي، أجبرت السعودية بنجلاديش بإعادة أكثر من مائة شخص من الروهينجا إليها ممن كانوا قد قدموا إلى البلاد بجوازات سفر بنجلاديشية. جاء ذلك بعد زيارة رئيسة وزراء بنجلاديش للسعودية ولقائها ابن سلمان الذي أثنى على الخطوات التي تخطوها بنجلاديش تجاه التطوير، وأعرب عن رغبة بلاده أن تكون جزءًا منها.

تلقّى هؤلاء الأشخاص معاملة سيئة في مكان احتجازهم في مركز الشميسي في جدة، حيث أُجبروا على التوقيع على الأوراق التي تثبت سلامتهم العقلية باعتبارها خطوة روتينية لإعادتهم لبنجلاديش. في شهادات وصلت لناشطين، قال فيها هؤلاء الأشخاص إنّهم تعرضوا للضرب من قبل الشرطة السعودية لإجبارهم على التوقيع على الأوراق التي كانت مجهزة من السفارة البنجلاديشية.

وقال محتجزون في نفس المركز أنّ السلطات ضيّقت عليهم كثيرًا ومنعت عنهم الكثير من الخدمات لإقناعهم بالعودة. وبينما أصرّ الكثير منهم على رفضهم العودة إلى هناك، وأظهروا هوياتهم البورمية واعترفوا أنّهم دخلوا البلاد بجوازاتٍ مزورة وأنهم لا ينتمون إلى هناك، لم يلقِ أحدٌ لهم بالًا واستمرت إجراءات الترحيل.

مخاوف ما بعد الترحيل

استمرّت حملات ترحيل الروهينجا من السعودية إلى بنجلاديش متجاهلةً الدعوات المتتالية للأمم المتحدة بوقف هذه الإجراءات. ففي فبراير (شباط) الماضي أظهر فيديو وصل لأحد الناشطين مجموعاتٍ من الروهينجا مصفدي الأيدي وفي طريقهم لمطار جدة لترحيلهم إلى بنجلاديش.

ويخشى الروهينجا من العودة إلى بنجلاديش ليس فقط بسبب ظروف المخيّمات اللاإنسانية والوضع الاقتصادي المتهالك للبلاد، وإنما لخشيتهم من إعادتهم إلى ميانمار التي سيلقون حتفهم فيها لا محالة مع استمرار آلة القمع الوحشية التي تنتظرهم هناك. وهو أمرٌ غير مستبعد، بل أُعلنت اتفاقات بهذا الشأن بين الحكومتين البنجلاديشية وحكومة ميانمار، رغم تحذيرات الأمم المتحدة من اتخاذ مثل هذه الإجراءات في ظل استمرار الوضع على ما هو عليه في ميانمار.

ما الذي يمنع السعودية من الضغط لوقف المجازر؟

بعيدًا عن الإدانات الخجولة في المحافل الدولية، وبعض المساعدات هنا وهناك، يبقى الدور الذي تؤديه السعودية والدول الإسلامية تجاه ما يحدث من تطهير عرقي في ميانمار لا يرقى للمستوى المطلوب. فما الذي يقّيد أيدي هذه الدول؟

هناك تعاون في مجال النفط بين السعودية من جهة والصين وميانمار من جهة أخرى، خاصة بعد افتتاح خط النفط الذي يمر بأراضي ميانمار- والذي يوفر للصين إمدادًا مباشرًا من النفط من الشرق الأوسط. فالسعودية التي تتنافس مع روسيا على إمداد الصين- المستهلك الأول للنفط في العالم- تجد مصلحة كبرى في إبقاء علاقة جيدة مع الحكومة الصينية وحكومة ميانمار لتضمن بقاء تدفق نفطها إلى الصين.

أمّا الإمارات وقطر فقد وجدتا أيضًا طريقًا للمنفعة الاقتصادية من خط النقل الجديد؛ حيث بنت الإمارات الطرق والفنادق على طول هذا الخط. بينما بدأت قطر بإرسال غاز الميثان عبر الطريق الجديد الذي يمر من إقليم راخين، حيث تسكن أقلية الروهينجا. والإبقاء على علاقات طيبة مع ميانمار مطلب أساسي لهذه الدول يجعلها تغض الطرف عما يجري هناك.

وفي وقت سابق من أكتوبر (تشرين الأول) وأثناء الاجتماع العام الـ74 للأمم المتحدة، تقدمت رئيسة وزراء بنجلاديش بمقترح يتضمن حلًا لمشكلة الروهينجا ويضمن عودة آمنة لهم إلى بلادهم. لكن لا يبدو أن شيئًا من هذا القبيل قد يحدث في القريب، خاصة بعد فشل العديد من المبادرات السابقة التي كان آخرها في أغسطس (آب) الماضي.

وإعادة أكثر من مليون شخص شُردوا على مدى سنوات طويلة ليس بالأمر السهل، فالإحصاءات تشير إلى أن العديد من الأسر ستبقى في بنجلاديش لعقود حتى بعد تنفيذ أي حل مقترح على أرض الواقع. الأمر الذي يجعل من احتواء مسألة اللاجئين الروهينجا وإيجاد حلول حقيقية ترفع المعاناة عنهم، وتضمن لهم حياة إنسانية مسألة مفتوحة على كافة الاحتمالات.

اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر الاخبارعلى الرابط ادناه
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات