بين وعد بلفور وبريكست.. هل تدفع بريطانيا ثمن السياسة الارتجالية؟

twitter sharefacebook shareالجمعة 13 ايلول , 2019

كلاهما ديفد وكلاهما كان رئيس وزراء بريطانيا، لكن تفصل بينهما مئة سنة، وكلاهما اتخذ قرارا غيّر مسار التاريخ أو يكاد يغيره.

إنهما ديفد كاميرون وديفد لويد جورج، اللذان يرى المؤرخ البريطاني غاردنر تومسون أن من المفيد دراسة ما فعلاه لأخذ العبرة والابتعاد عن "السياسة الارتجالية"، وفق ما كتبه في مقال نشر بموقع "أوبن ديموكراسي".

في عام 2015، عرض ديفد كاميرون تنظيم استفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي -والذي بات يعرف بالبريكست- من أجل كسب تأييد بعض أعضاء حزب "يوكيب" القومي. وفي 1917 عرض ديفد لويد جورج فلسطين "وطنا قوميا لليهود" لكسب تأييد الحركة الصهيونية. وكلاهما –ديفد الأول والثاني- كان قصير النظر وكان أرعنا، حسب تعبير الكاتب.

أعلن لويد جورج تأييده للصهيونية في "إعلان بلفور" في نوفمبر/تشرين الثاني 1917 وكان ذلك في بادئ الأمر قرارا في سياق الحرب يراد منه إقناع اليهود في روسيا والولايات المتحدة بمضاعفة دعمهم للمجهود الحربي لقوى الحلفاء. لكن في نهاية المطاف لم يقدم تأييد الصهيونية أي إضافة لمساعي الحلفاء. وبعد عام 1918 قرر لويد جورج ألا يتراجع عن تعهده، وقام بتضمين إعلان بلفور في الانتداب البريطاني لحكم فلسطين. وكان قراره الالتزام بوعده في زمن السلم أهم بكثير من إعلانه ذلك الوعد أثناء الحرب.

والانتقاد الرئيسي لتلك السياسة التي التزم بها لويد جورج أنها تحدت كل الحقائق والحجج والنبوءات التي حذرت منها قبل عام 1922، حين تم التصديق على قرار الانتداب.

على سبيل المثال، تنبأ إدوين مونتاغ -وهو اليهودي الوحيد في مجلس الوزراء البريطاني آنذاك- بنتيجتين لتلك السياسة في أغسطس/آب 1917، إذ قال "حين يقال لليهود إن فلسطين هي وطنهم القومي.. ستجد أناسا في فلسطين يطردون سكانها الحاليين ويأخذون أفضل ما في تلك البلاد"، وفي الوقت نفسه "سيعامل اليهود كأجانب في كل البلدان إلا فلسطين". وفي نظر مونتاغ كانت الصهيونية "عقيدة تخريبية"، غير أن مخاوفه لم تجد أذنا صاغية.

ثم في عام 1919 قام اثنان من الأميركيين المرموقين وهما هنري كينغ وتشارلز كرين بالتحقيق في وضع فلسطين لصالح جهود صنع السلام، ووجدا أن "سكان فلسطين غير اليهود -وهم قرابة تسعة أعشار مجموع السكان- يعارضون قطعيا المشروع الصهيوني برمته".

وأضافا "ما من ضابط بريطاني استشاره المفوضون رأى أن المشروع الصهيوني يمكن أن ينفذ إلا بقوة السلاح"، وأكدا أن الصهيونية "ستؤدي يقينا إلى تأجيج المشاعر المناوئة لليهود في فلسطين وفي كل بقاع الأرض"، غير أن هذا التقرير لم يجد أيضا أذنا صاغية.

وفي عام 1936 ثار العرب على الحكم البريطاني مع ارتفاع مستويات الهجرة اليهودية. وفي العام التالي صدر تقرير لجنة تحقيق ترأسها اللورد بيل وكانت نتائجه واضحة دون لبس. فقد أكد التقرير ما ذهبت إليه النبوءات المذكورة آنفا، وقال "اندلع صراع لا يمكن احتواؤه بين قوميتين"، وأضاف "لا أمل في التسوية".

وكانت عواقب سياسة لويد جورج الرعناء وخيمة على الإمبراطورية البريطانية ثم على الشرق الأوسط في المدى البعيد.

واليوم وبعد مرور أكثر من سبعين سنة على "تأسيس دولة إسرائيل" لا يلوح في الأفق أي حل في فلسطين.

وكان يجدر بهذا الإرث الذي خلفه لويد جورج أن يكون تحذيرا لكل رجال الدولة من بعده بأن يأخذوا الواقع في الحسبان قبل أن يتدخلوا في شؤون بلدان قاصية وشعوب بعيدة.

وكان قصر نظر ديفد كاميرون وإخفاقه مماثلا لما مر. لقد أثار لويد جورج صراعا مستمرا في بلاد بعيدة، أما كاميرون فقد أحدث شرخا عميقا داخل بلده هو.

اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر الاخبارعلى الرابط ادناه
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات