ساحة تصفية الخلافات.. الى أين وصلت تطورات ليبيا؟

twitter sharefacebook shareالأربعاء 26 حزيران , 2019

بعد نحو 80 يومًا من معركة طرابلس، التقى الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر، المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، في لقاء عكس تغيرات المشهد الليبي سياسيًّا؛ نتيجة لتغير سير المعارك العسكرية على الأرض. فسلامة الذي قاد حملة دولية ضد حفتر بهدف إخراجه من العملية السياسية بعد ما وصفه بالساعي للفوضى في ليبيا، بات اليوم يدعو غريمه لوقف الحرب واستئناف المفاوضات.

والتطور المفاجئ الذي دفع الرجلين للقاء؛ يأتي بعد الانتصارات العسكرية المفاجئة التي حصدتها قوات حفتر أمام حكومة الوفاق، التي أطلقت مبادرة عاجلة لتشكيل "ملتقى وطني جامع" لإجراء انتخابات عامة قبل نهاية العام الجاري بإشراف الأمم المتحدة. وهو ما رد عليها الجنرال الليبي – في ظل تجاهل المجتمع الدولي لها- بأنّ فوهات المدافع لن تتوقف إلا بعد إسقاط طرابلس.

تركيا تحارب الإمارات.. إلى أين وصلت معركة طرابلس؟

تخوض قوات حكومة الوفاق حاليًا المحاولة رقم 37 للسيطرة على مطار طرابلس -يبعد نحو 34 كم جنوب العاصمة- بالإضافة إلى الهدف الرئيس للمعركة، والمتمثل في الحفاظ على المواقع الاستراتيجية للطرفين، وحتى اللحظة تفشل قوات الوفاق في حسم الساحة الأبرز في الحرب، في ظل إعلان القوات التابعة لحفتر سيطرتها على المطار.

التفوق العسكري الأخير لم يكن حليف حفتر طيلة 60 يومًا من المعارك؛ فالجولة الأولى التي امتدت نحو 20 يومًا بدأت بوصول قوات الجنرال الليبي إلى مدينة غريان -تبعد نحو 100 كم- التي تعد أضعف ثغرة جنوبية، ثم زحفت بعدها نحو مدينة الزاوية – 48 كم غرب طرابلس- قبل أن تتمكن قوات حماية طرابلس بفضل تحييد سلاح الطيران في الساعات الأولى من استعادة أغلب المدن التي خسرتها.

لكنّ الجولة الثانية من المعركة شهدت جمودًا ميدانيًّا دفع رئيس مجلس الدولة الليبي خالد المشري، للقيام بزيارة عاجلة إلى قطر وتركيا، التي أعلنت دعمها غير المشروط لحكومة الوفاق، لتظهر بعدها المقاتلات التركية في شوراع طرابلس إلى جانب الطائرات المُسيرة التي استغلت بُعد القواعد الجوية التابعة لحفتر عن مواقع الاشتباكات، وبدأت في قصف الخطوط الخلفية بدقة، ومنعت قوات الجنرال الليبي من التقدم.

وفي حين وصلت ذروة انتصارات الوفاق بعد نحو 50 يومًا من المعركة، كان حفتر يواجه أزمة مالية لتمويل حربه، وهو ما كان سببًا كافيًا للجنرال الليبي لتوجيه قواته للمحافظة على الذخيرة.

الخسائر المتتالية دفعت رئيس الحكومة الموازية في الشرق، عبد الله الثني، إلى إعلان استعداد الجيش لوقف إطلاق النار دون شروط، وهي الدعوة التي حظيت بمباركة مصرية فرنسية لإنقاذ حليفهما، الذي بنى تقديراته العسكرية والسياسية على مباغتة طرابلس جنوبًا وغربًا في معركة الوقت. إلا أن خطته ألقت به في حرب استنزافٍ استهلكت قواته التي فشلت في إحراز أي انتصارات فارقة.

ومع اشتراط رئيس حكومة الوفاق، فايز السراج، استبعاد حفتر من المفاوضات الدولية والعملية السياسية؛ وجد الجنرال الليبي نفسه مُجبرًا على خوض الحرب حتى النفس الأخير. لذا فالجولة الثالثة التي بدأت منذ مطلع الشهر الجاري شهدت استعدادات متبادلة من الطرفين لخوض معركة الحسم، وهو ما كشفته صحيفة روسية بشأن حصول حفتر على منظومة دفاع جوي متطور من طراز "انتسير إس1/ إس آي 22" روسية الصنع، تُنقل على عربة "مان إس إكس 45" ألمانية الصنع، وحسب الصحيفة، فإن الإمارات هي الدولة العربية التي تمتلك 50 قطعة عاملة من هذه المنظومة، وعلى الأرجح فإنها هي التي مدت الجنرال الليبي بها.

حصول حفتر تحديدًا على منظومة دفاع جوي متطور، جاء نتيجة حصول حكومة الوفاق على الطائرات المسيرة من طراز "بايراكتار تي بي 2"، التركية الصنع، والتي حوّلت مسار الحرب خلال الجولة الثانية متفوقة على الطائرات الإماراتية والليبية التابعة لحفتر، والتي اتهمتها منظمة العفو الدولية بالقصف العشوائي للمدنيين والمناطق السكنية، استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية.

لذا فالجولة الثالثة من القتال تهدف للسيطرة ميدانيًّا على مطار طرابلس، بالإضافة إلى احتكار سماء المعركة، وبفضل الدفاع الجوي الذي امتلكه حفتر، تمكنت قواته من إسقاط طائرة تركية من طراز درون باهظة الثمن، وهو ما مثّل مفاجأة كبيرة للوفاق، دفعت الجنرال الليبي – الذي تمكّن من ضبط إيقاع المعركة لصالحه- لإعلانه رفض مبادرة إطلاق النار إلا بعد دخول طرابلس.

واللافت أنّ رئيس الحكومة الليبية المؤقتة عبد الله الثني هو الآخر بدوره تراجع عن تصريحاته القديمة، بعد التموضع الجديد الذي حققته قوات حفتر، إذ يقول عضو مجلس نواب طبرق -المؤيد لحفتر- عيسى العريبي: "إذا كان المشير حفتر حتى الآن لم يدخل طرابلس، فهذا لا يعني أنّ ميليشيات حكومة الوفاق قادرة في ظل تقدم الجيش الليبي على صد الزحف حول تخوم العاصمة".

أين ذهبت انتصارات الوفاق؟ 3 أزمات تواجه حكومة السراج

يكشف مصدر إعلامي نقلًا عن مصادر عسكرية تابعة للوفاق -اشترط عدم ذكر اسمه- آخر تطورات الوضع العسكري على الأرض: "سيطرت قوات حفتر منذ أكثر من شهر على مدن غلاف طرابلس (صبراتة، وصرمان، وغريان، وترهونة)، فيما تستمر المدفعية الثقيلة للطرفين في محور المطار الذي انتزعت الوفاق أجزاءً كبيرة منه، قبل أن تتقدم عليها قوات حفتر، التي ما زالت تسيطر على كباري الزهراء، والطويشة، والعزيزية، جنوب شرق طرابلس والمؤدية للعاصمة".

حققت قوات حكومة الوفاق -في الجولة الثانية- انتصارات عسكرية بفضل المدرعات التركية من طراز كيربي، والتي يمتلك صندوق قطر للاستثمار نصف أسهم الشركة المصنعة لها، وما زالت من وجهة نظر عسكرية متفوقة على حفتر؛ فطرابلس الحصينة لا تُعاني من بُعد خطوط الإمداد ولا الذخيرة، عكس الجيش المُحاصر لها.

إلا أنّ المفاجأة التي لم تتوقعها حكومة الوفاق في الجولة الثالثة تمثلت في انشقاق الكتيبة 135 مشاة، الرابضة جنوب شرق طرابلس، وإعلانها الانضمام لقوات حفتر، تزامنًا مع إعلان القيادة العامة في الشرق الليبي الدفع بالكتيبتين 36 صاعقة و15 صاعقة، باتجاه طرابلس للالتحاق بالوحدات الأخرى الموجودة في محاور القتال السبعة، في ظل سيطرة تلك القوات على عدة أحياء في الجنوب الشرقي والغربي لطرابلس، بداية بـ"حي زهرة، وحي عين زارة، ووادي الربيع" في الجنوب الشرقي، نهاية بمطار طرابلس.

التطورات الجديدة قد تقلب معادلة الحرب عسكريًّا إذا ما نجح حفتر في الاحتفاظ بالمطار فترة طويلة، لكنّ المبادرة التي أطلقها السراج وضعته في أزمة سياسية مع المجتمع الدولي الذي يعترف بحكومته، فالمبادرة التي أطلقها قبل أيامٍ من تراجع قواته في محاور القتال تتضمن سبع نقاط، تبدأ بعقد ملتقى وطني ليبي بإشراف الأمم المتحدة، للاتفاق على الدستور لوضع خارطة طريق، وتنتهي بالاتفاق على موعد الانتخابات قبل نهاية العام الجاري.

اللافت أنّه بعد أيامٍ من إعلان السراج، لم تلق مبادرته احتفاءً من المجتمع الدولي الذي يعترف به؛ يقول المحلل السياسي الليبي -القريب من الوفاق- عبد السلام الراجحي: "السراج أغفل أنّ مبادرته قد تطيحه من المشهد السياسي للأبد، وأغفل معها بأنه في ظل سيطرة حفتر على معظم أراضي البلاد لا يمكن أبدًا عقد ملتقى جامع"، وبسؤاله: لماذا تجاهل المجتمع الدولي المبادرة؟ أجاب: "كيف يمكن أن تنجح مبادرة سياسية والخصم الرئيس -يقصد حفتر- أعلن أنه لا رجوع في الحرب التي بدأ للتو يحصد مكاسب فيها".

وتجدر الإشارة إلى أن حفتر شنّ هجومًا مباغتًا على العاصمة الليبية قبل نحو 10 أيام من انعقاد الملتقى الوطني الجامع، الذي دعت إليه الأمم المتحدة لتحديد موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية، والاتفاق حول موعد الاستفتاء على الدستور. وبينما اشترط السراج -في ظل انتصاراته- وجود ممثلين آخرين للتفاوض، في إشارة إلى رفضه التفاوض مع الجنرال الليبي، التقى حفتر في الجولة الثالثة في الحرب وجهًا لوجه مع المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، وهي الرسالة التي وجّهها إلى خصومه بأن المعركة لم تقضِ عليه كما ظن الجميع.

بعيدًا عن صمود الوفاق.. ما الذي يمنع حفتر من دخول طرابلس؟

حتى اللحظة يفشل الطرفان في حسم الساحة الأبرز في المعركة، والمتمثلة في مطار طرابلس الذي يشهد أعنف الاشتباكات في معارك كر وفر، دون أن يتمكن الطرفان من تثبيت السيطرة عليه بشكل كامل ونهائي، وتخشى حكومة الوفاق من سقوط المطار في يد حفتر، وأن يستغله لقصف طرابلس أو حتى دعم الجبهات المتقدمة بالسلاح والرجال دعمًا أكثر فعالية.

لكنّ الأزمة الكبرى التي تواجه قوات حفتر أنها متفرقة في سبع محاور، والخطة نفسها التي اعتمدها الجنرال الليبي اعتمدت فلسفتها على شنّ معارك ضارية ومتفرقة، عبر أكثر من جبهةٍ في جنوب العاصمة وغربها، في معركة الوقت التي خسرها، وهو ما كان مجرد بداية لتقدم حكومة الوفاق التي أطلقت عملية "بركان الغضب".

يواجه حفتر أزمة كبرى تتمثل في بُعد مركز القيادة العامة في الشرق الليبي -مدينة الرجمة ببنغازي- نحو ألف كم عن مقر العمليات في طرابلس، وهو ما يجعل خطوط الإمداد غير آمنة ومُكلفة، خاصة بعدما طالت المعركة.

الأزمة الأخرى تتمثل في أنّ جيش حفتر ليس كتلة متماسكة، وهو يتكون من قوة عسكرية قوامها نحو 25 ألف مقاتل بين جيش نظامي وميليشيات مسلحة. وبحسب تقديرات، فإنّ نواة الجيش النظامي لا تتعدى 7 آلاف فرد، ما يعني أن تركيبة القوات قابلة للتفكك، خاصة أنها تجمع تحتها مدنيين، وكتائب مدخلية سلفية، ومسلحين من أنصار الرئيس المقتول معمر القذافي، ومدنيين مرتزقة.

ولأن المعركة استندت أولًا على الحرب الخاطفة، فإن تعدد جبهات القتال لم يكن في صالح حفتر، الذي قسّم جيشه عبر أكثر من جبهة حول العاصمة، وبينما سحب قواته من الجنوب، عاد تنظيم داعش من جديد للتموضع في الجبهات الخاوية، حيث استهدف مركزًا للجيش في مدينة سبها، فقتل وأصاب نحو 16 شخصًا، وقطع رؤوس الأسرى، بينما أُعدم الآخرون بالرصاص.

والخطأ نفسه ارتكبه حفتر مُجددًا عبر فتح جبهة جديدة للقتال في الشرق، إذ حشد وحدات عسكرية صوب مدينة سرت -450 كم شرق طرابلس- التي تسيطر عليها كتائب مصراتة، القوة المكافئة له، ويهدف المسار الجديد للوصول إلى العاصمة عبر الطريق الساحلي الشمالي، وهو ما يعني تقسيم جديد لقواته المرابطة في مساحات شاسعة بينها في صحراء ليبيا، حيث أمامهم شمالًا عاصمة تستعصي على السقوط، وخلفهم جنوبًا جبهات مكشوفة تتربص بهم قوات تابعة للوفاق، وقبائل التبو المعارضة لحفتر.

والمغامرة نفسها لم تُخفِ أن الجنرال الليبي يخشى هجومًا مبُغاتًا في أحد المحاور، وأبرزها منطقة الهلال النفطي -الشرق الليبي- التي يتربص بها إبراهيم جضران، القائد السابق لحرس المنشآت النفطية، وسرايا الدفاع عن بنغازي، لاستعادة السيطرة على المواني النفطية، بالإضافة إلى تنظيم الدولة الذي يتمدد بحرية في الجنوب، وهو ما من شأنه أن يقلب موازين القوى مرة أخرى.

اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر الاخبارعلى الرابط ادناه
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات