تناقضت المعلومات الرسمية والصحافية في ما يتعلق بحجم القوات التركية التي دخلت شمالي العراق، كما هي تناقضت في ما يتعلق بأهداف هذا التوغل العسكري التركي في المنطقة القريبة من الموصل، التي يسيطر عليها تنظيم (داعش).

وتوقعت جريدة "حرييت" أن يصل قريباً عدد العسكريين الأتراك في شمالي العراق إلى نحو 2000، وقالت إن الجيش التركي سيقوم بتدريب ودعم العشائر "السنية" الموالية لأثيل النجيفي، الذي كان محافظاً للموصل عندما احتلها "داعش" في 9 حزيران من العام الماضي. وتحدثت المعلومات عن اتفاق مسبق بين أنقرة والنجيفي وزعيم إقليم كردستان العراق، مسعود البرزاني، ونائب الرئيس العراقي الأسبق، طارق الهاشمي، بشأن إرسال القوات التركية إلى شمالي العراق، وذلك لمواجهة أي تطورات محتملة على صعيد الحكومة العراقية المركزية والحشد الشعبي.

وتشير الأوساط السياسية والإعلامية إلى مشاريع لدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزرائه أحمد داوود أوغلو، لفرض الرأي التركي على طاولة المفاوضات حول مصير العراق، قبل أو بعد التخلص من داعش، في ظل الحديث عن تقسيم العراق بين السنّة والشيعة والأكراد. وتتحدث الأوساط القومية التركية عن "حق" تركيا في ولاية الموصل، التي تشمل مدينة الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية، باعتبار أن التركمان موجودون في هذه المناطق، زاعمين أن بريطانيا استقطعت هذه المنطقة من تركيا عام 1925.

ويرى هؤلاء أن الوقت قد حان لضم هذه المنطقة إلى تركيا، اما "الأكراد"، والمقصود بهم جماعة مسعود البرزاني، حليف أردوغان الاستراتيجي، لا يعترضون على ذلك، وأن "السنّة" في المنطقة، وربما أيضاً "المسيحيين"، يؤيدون الانضمام إلى تركيا، كما يزعمون، خاصة إذا كان هذا الانضمام سهلاً وسريعاً، بفعل الوجود العسكري التركي الذي سيزداد حجماً خلال الأيام والأسابيع القليلة القادمة، والذي يحظى بغطاء أميركي.

ويبدو أن أنقرة قد حصلت على التأييد الأميركي لمشاريعها التوسعية، مقابل سماحها لطائرات وسفن الحلف الأطلسي بملء القواعد والموانئ والمياه الإقليمية التركية، بحجة التصدي لروسيا. فقد وصل عدد السفن الأطلسية الى 50 شرقي البحر الأبيض المتوسط، كذلك زاد عدد طائرات دول الحلف على 200 في القواعد الأميركية في تركيا. وربطت بعض الأوساط الدبلوماسية بين هذه التطورات والاتفاق الأخير بين أنقرة وواشنطن «لمحاربة داعش» على طول الحدود السورية_ التركية، إذ سيتم بناء حائط بارتفاع 3 أمتار قبالة الحدود السورية، من مدينة جرابلس إلى مدينة أعزاز، على أن تقوم ميليشيات "الجيش السوري الحر" والفصائل التركمانية والقوات الموالية لها، والمدعومة من الجيش التركي، بطرد داعش من هذه المنطقة، على أن لا تتدخل تركيا في المناطق التي تسيطر عليها وحدات الحماية الشعبية الموالية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري، والتي تمتد على طول 500 كيلومتر من الحدود السورية مع تركيا، شرق نهر الفرات.

وكانت أنقرة قد وصفت هذه القوات الكردية بأنها "إرهابية"، واستنكرت موقف واشنطن ولندن وباريس وبرلين، التي تقوم بتدريب وتسليح هذه القوات التي تنافس قوات البيشمركة العراقية، الموالية للبرزاني. وفي المقابل، استنكرت الفصائل الكردية الموالية لجلال الطالباني وحركة التغيير التدخل العسكري التركي في شمالي العراق، بحجة تدريب البيشمركة الموالية للبرزاني.

وتفيد معلومات بأن البرزاني، صديق أردوغان، سيستفيد من الوجود العسكري التركي في مساوماته مع بغداد، وذلك بالتنسيق مع وجهاء عشائر الغرب، وخاصة النجيفي الذي يتنقل بين أربيل واسطنبول، حيث يلعب دور المنسّق بين قوى عراقية وكل من تركيا والأردن والسعودية ودول خليجية أخرى، حول سيناريوات عدة محتملة في العراق.

وبحسب توقعات، ستزيد أنقرة من حجم حضورها العسكري في شمالي العراق، خاصة مع اقتراب موعد تحرير مدينة الموصل من قبضة داعش، وعلى وجه الخصوص إذا استمر سكوت الحكومة العراقية وجامعة الدول العربية والعواصم الغربية عن هذا الحضور الذي قد يصل إلى 10 آلاف مقاتل، مع كامل سلاحهم وعتادهم وآلياتهم الثقيلة، تريدهم أنقرة أن يكونوا أداتها لتقييد حركة حزب العمال الكردستاني وأنصاره السوريين، والسيطرة على شمالي العراق وشمالي سوريا، فيما تتحدث الأوساط المقرّبة من أردوغان عن مخططات ومشاريع أميركية للتصدي لأي وجود عسكري روسي في سوريا والعراق، ولإفشال أهداف التنسيق الرباعي الحالي (دمشق بغداد طهران موسكو؟) في حربه ضد كل الجماعات الإرهابية، ولإعادة رسم خارطة هذين البلدين، تحت ستار "التحالف الدولي"، أو بالأحرى الغربي، ضد الإرهاب.

 

اضف تعليق