السبت 01 تموز , 2018

بين السخاء والتقشف.. هذه قصة بعض الدول مع صندوق النقد الدولي

تقشّفٌ وانهيارٌ حاد للعملة، ونسب قياسية للتضخم، باتت هذه هي أهم ملامح الإجراءات الاقتصادية المرتبطة بأي برنامج إصلاح اقتصادي يعمل تحت مظلة صندوق النقد الدولي، ويربط كثير من المحللين الاقتصاديّين هذه الملامح بشروط أو طلبات الصندوق للموافقة على دعم الدولة التي تلجأ لطلب المساعدة من المؤسسة المالية العالمية، لكن قد تستغرب عندما نتحدث عن أن صندوق النقد الدولي في بعض الأحيان يتعامل بسخاء كبير مع بعض الدول؛ فهناك وجه آخر للصندوق قد لا نعرفه.

قد يتفق الأغلبية على أن الآثار السلبية لدخول الصندوق في أية دولة متشابهة إلى حد كبير، لكن في الواقع لا يتعامل الصندوق معاملة واحدة مع كل الدول التي تطلب الدعم منه، فأحيانًا يكون سخيًّا ويوافق على برامج إصلاحية لا تتضمن إجراءات تقشفية حادة كالمعتاد، وأحيانًا أخرى لا يكون بنفس درجة السخاء، بل يفرض كذلك شروطًا قاسية، بالرغم من حاجة الدولة الماسة لهذا الدعم.

خلال هذا التقرير سنلقي الضوء على أربع تجارب حديثة مع الصندوق، اثنان منهم أظهر الصندوق السخاء والتعاون معهما، بينما في تجربتين لم يبدُ أن الصندوق قد تعاون معهما بنفس الصورة، ولنبدأ أولًا بالدول التي تعاون معها بسخاء.

الجانب السخي لصندوق النقد.. الأرجنتين آخر المستفيدين

تُعدّ الأرجنتين آخر الدول التي لجأت إلى طلب الدعم من صندوق النقد الدولي، ففي الثامن من مايو (أيار) الماضي، كشف الرئيس الأرجنتيني، موريسيو ماكري، عن أن بلاده دخلت في محادثات لطلب خط ائتمان من صندوق النقد الدولي. وفي نفس التاريخ بعد شهر، وتحديدًا في الثامن يونيو (حزيران) الجاري، وافق الصندوق بشكل مبدأي على إقراض الأرجنتين ما يصل إلى 50 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات.

وسريعًا لم ينتظر الصندوق سوى أيام قليلة حتى أعلن في 20 يونيو (حزيران) الجاري خلال بيان أن مجلسه التنفيذي وافق على اتفاق تمويل بقيمة 50 مليار دولار للأرجنتين، مع صرف 15 مليار دولار إلى الحكومة الأرجنتينية.

الطلب والموافقة وصرف الشريحة الأولى حدث بوتيرة سريعة تثير الاستغراب، فالأرجنتين لا تمتلك ذكريات جيّدة مع الصندوق، كما أن البلاد عانت من الديون كثيرًا منذ بداية هذه الألفية، ففي 2001 أعلنت عن أنها عاجزة عن سداد ديونها، ونفس الأمر تكرر في يوليو (تموز) 2014 وذلك للمرة الثانية خلال 13 عامًا، وهي كذلك في وضع ليس بالجيد حاليًا، وكل هذه أمور من المفترض أن يتعامل معها الصندوق بدون تسرع، ولكن مع حدث هو أن الصندوق تعامل بسخاء كبير ومرونة غير معهودة ربما، بالإضافة إلى أن الشروط لا تبدو بنفس القسوة.

اليونان وأوكرانيا.. نماذج أخرى لمست سخاء النقد الدولي

يواجه صندوق النقد الدولي منذ سنوات تهمة الرضوخ للسيطرة الأوروبية، وذلك منذ خطّة المساعدة الأولى لليونان في العام 2010، فخلال نحو ثلاث سنوات قدّم الصندوق لليونان حوالي 32 مليار يورو، وبالرغم من عجز اليونان عن السداد؛ لم يتوقف الصندوق عن دعم البلاد؛ إذ وافق النقد الدولي على تقديم قروض لليونان بحجم 1.6 مليار يورو في يوليو 2017، جاء ذلك بالرغم من عدم وجود ضمانات اقتصادية كافية.

ومن الممكن أن يكون دافع استمرار الصندوق هو إقراره بارتكابه خطأ عندما فرض على اليونان نظام تقشّف للخروج من أزمتها، غير أنّه أدّى في نهاية المطاف إلى خنق النمو الاقتصادي، وهو ما جعله يخالف القواعد التي تنص على عدم منح بلد أي قروض ما لم يكن قادرًا على تحمل عبء دينه، لكن بشكل عام لا يمكن القول سوى إن الصندوق تعامل بسخاء كبير مع أثينا، في وقت كانت جميع المعطيات تشير إلى أنّ التخلّي عنها سيكون القرار الأبرز.

على الجانب الآخر، وبالنظر إلى تعامل الصندوق السخي كذلك مع أوكرانيا؛ إذ وافق النقد الدولي على اتفاق تعاون مع أوكرانيا عام 2015، إذ نص الاتفاق على أن يقدم للبلاد قروضًا بقيمة 17.5 مليار دولار خلال أربعة أعوام، ولكنه صرف لكييف أربع شرائح بقيمة 8.7 مليار دولار فقط، ورفض تقديم الدفعة الخامسة بقيمة 1.9 مليار، والتي كانت الحكومة الأوكرانية تنتظرها قبل نهاية عام 2017.

وجاء موقف الصندوق من كييف كونها لم تنفّذ بعض الإصلاحات أو مطالب الصندوق، وأهمها التأخّر في إقرار قانون ينص على تشكيل محكمة ضد الفساد، بالإضافة إلى رفض الحكومة رفع سعر الغاز للمستهلكين داخل البلاد بما يتناسب مع السعر العالمي، لكن على ما يبدو – في ظل الحديث عن أن أوكرانيا تواجه خطر الإفلاس – قد يتراجع الصندوق عن موقفه ويكمل مسلسل السخاء الذي بدأه في 2015.

سخاء النقد الدولي لا يظهر في الشرق الأوسط

ربما يكون الحديث عن الجانب السخي لصندوق النقد الدولي أمرًا مستغربًا بالنسبة للأغلبية في الشرق الأوسط، فدائمًا ما يرتبط ذكر الصندوق بالنسبة للمنطقة برفع الدعم وزيادة الأسعار وتسريح العاملين، خاصة أن الكثير من دول المنطقة عملت في السابق، أو تعمل حاليًا على برامج اقتصادية تحت مظلة الصندوق، سواء في مصر وتونس أو الأردن والمغرب وغيرها من الدول، بالإضافة أنه يرفض إلى الآن مساعدة السودان، في الوقت الذي يتعامل الصندوق بحزم شديد مع هذه الدول، ولنتحدث عن مصر وتونس كنموذجين للتعامل غير المتعاون من الصندوق، بخلاف ما حدث مع النماذج سالفة الذكر.

مصر.. الدعم لم يصل إلى نصف الاحتياج

تتجمّع في تجربة مصر الحالية مع صندوق النقد الدولي كل ملامح القسوة وعدم التعاون من المؤسسة المالية العالمية؛ فمنذ البداية استغرق الصندوق وقتًا كثيرًا ليوافق على طلب مصر، ثم الحصول على الشريحة الأولى، وذلك بخلاف ما حدث مع الأرجنتين التي حصلت على الموافقة في وقت قياسي، وكانت قيمة الشريحة الأولى فقط تزيد عن قيمة القرض المقدّم لمصر بنحو 3 مليارات دولار، ناهيك عن أن الصندوق قد ألزم باقتراض نحو 6 مليارات دولار لزيادة قيمة الاحتياطي النقدي، وذلك في نفس الوقت الذي قال فيه كريس جارفيس، المسؤول بصندوق النقد: "إن أهمّ أهداف القرض هو خفض مستوى الدين العام الذي يبعث على القلق"، على حد تعبيره.

بشكل عام تعامل الصندوق بجفاء كبير مع احتياجات البلاد، هذا الجفاء بدأ من قيمة القرض أوّلًا، ففي يناير (كانون الثاني) 2016 قدّر البنك الدولي الفجوة التمويلية التي تعاني منها مصر خلال ثلاث سنوات بنحو 44.5 مليار دولار، بمتوسط 12 مليار دولار سنويًا، لكن لم يدعم الصندوق سوى بـ12 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات، وهو ما يشير إلى الفجوة الكبيرة التي لم يراعها النقد الدولي في التعامل مع البلاد، وبعيدًا عن قيمة القرض، لم يتعاون الصندوق على الأقل في صرف شرائح القرض؛ إذ تأخّرت معظم الشرائح تقريبًا.

تونس.. قرض متواضع وشروط قاسية

لم تختلف التجربة التونسية كثيرًا عن مصر، إلا أن قيمة القرض كانت متواضعة؛ ففي أبريل (نيسان) 2016 توصل صندوق النقد الدولي لاتفاق أوّلي لمساعدة تونس، ببرنامج قرض مدته أربع سنوات بقيمة حوالي 2.8 مليار دولار مرتبط بإصلاحات اقتصادية، وهو رقم كذلك لا يتناسب مع الفجوة التمويلية التي تعاني منها البلاد، وبالرغم من القيمة الضئيلة للقرض، كانت الشروط قاسية كعادة الصندوق.

هذا الأمر دفع الحكومة التونسية لطلب قرض جديد، قبل أن تحصل على باقي دفعات قرضها الحالي، وذلك في ظل اعتماد البلاد بشكل شبه أساسي خلال السنوات الماضية على الديون الخارجية في تمويل ميزانية الدولة، وتوفير النفقات العامة، وهو ما جعل حجم الديون يتراكم من سنة إلى أخرى. وحسب الإحصاءات الرسمية ارتفع حجم الدين الخارجي لتونس؛ ليصل إلى 65 مليار دينار تونسي (28.7 مليار دولار) في 2016. وكان رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، قد أعلن أن نسبة الدين الخارجي ارتفعت بنحو 62% منذ اندلاع الثورة في 2010 حتى 2016. 

وتشير تقارير اقتصادية إلى أن السلطات التونسية تواجه صعوبات في تسديد مبلغ 6 مليارات دينار تونسي من الديون الخارجية التي كانت مستحقة خلال سنة 2016. وتجد تونس نفسها خلال السنة الحالية ملزمة بدفع قرابة 8 مليارات دينار تونسي؛ بينما صادق البرلمان التونسي خلال الأشهر الستة الأولى من 2017 على 19 قرضًا خارجيًّا، بالرغم من انتقادات نواب المعارضة وانتقادهم إغراق البلاد في الديون، وكان من المفترض أن يكون دعم الصندوق لتونس أكبر من ذلك في ظل التزام البلاد بكامل الشروط تقريبًا.

هل التفاوض هو كلمة السر؟

بعيدًا عن القيم المادية – رغم أنها محورية – ولكن السؤال الأهم: لماذا يشترط الصندوق شروطًا قاسية على دول كمصر وتونس وغيرهما من دول الشرق الأوسط؟ في الواقع ربما لا يكون اللوم على الصندوق وحده، بل إن حكومات الدول هي التي تطلب من الصندوق هذه القروض، وهي التي تضع برنامج الإصلاح، كما يؤكد النقد الدولي هذا الأمر باستمرار، فعلى سبيل المثال: بعد أن وافق الصندوق على قرضه للأرجنتين، أكّدت مديرة النقد الدولي، كريسين لاجارد، أن الخطة من إعداد وتصميم الحكومة الأرجنتينية، وتهدف إلى تقوية الاقتصاد من أجل مصلحة جميع الأرجنتينيين.

نفس الأمر ينطبق على مصر؛ ففي أكثر من مناسبة أكّد الصندوق أن برنامج الإصلاح الاقتصادي وضعته الحكومة المصرية والصندوق وافق عليه، كما أنّ النقد الدولي كان حريصًا على توضيح هذه النقطة على موقعه الرسمي في إجابته على الأسئلة التي تدور حول قرض الصندوق لمصر، وهو الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل تفشل دول المنطقة في الحصول على قروض عالية بشروط أقلّ قسوة بسبب البرامج الاقتصادية الفاشلة؟ أم أن الحكومات تفشل في التفاوض مع الصندوق؟ أم أن الصندوق يتعمد التعامل بقسوة مع هذه الدول لأسباب سياسيّة؟ انتهى/خ.

المصدر: ساسة بوست

اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر الاخبارعلى الرابط ادناه
https://t.me/Annabaa_News_Agency
التعليقات